ابحث عن شئ

كتب : نيازي ابو علي

بعيدا عن اخبار جائحة (كورونا) التي أوقفت الدنيا ولم تقعدها وعارف في ناس كتار حيقولوا (شوف عليك الله) الناس في شنو وهو في شنو
ورحلة قلق الناس الشديد وخاصة أن الحزن أصبح يخيم على قلوبنا وقلوب الكثيرون في فقد الاحباب وانتشار حمي الكثافة العالية من الإحباط بسبب جائحة (كورونا) ، هاهو نص غنائي جديد سافر بنا عبر رحلة الإبداع لشحن شوية فرح و طاقة إيجابية
وحاجة كدا بس لينا ساي تودينا للسادة وتقوم بينا كب من الكورونا ، وفي سياحة عبر واحدة من أجمل النصوص الغنائية
التي أتحفنا بترديده الفنان الكبير العراقي كاظم الساهر، عبر تعاون غنائي مختلف جمع بين السودان والعراق.
بطله الشاعر الشاب ياسر ، وكاظم الساهر الذي تغني بنص تاريخ ميلادي .. من كلمات الشاعر السوداني ياسر البيلي يقول مطلعه :
تاريخ ميلادي
أنا غيرتهُ
فعلى يديك يكون بدء حياتي
هذي قصائدي كيف كيف أصوغها
إن لم تكوني أنتِ في كلماتي
مازلتُ في بحر المحبة ضائعاً
حتى رأيتك تجمعين شتاتي
يا نجمةً سمراء تعبر بي المدى
قولي أحبك إنها نبضاتي
عيناكِ يا قمري طريقُ سعادتي
وحروف اسمكِ دِجلتي وفُراتي

الجدير بالذكر أن ياسر البيلي ، من مواليد العام ١٩٨٥ بالمدينة المنورة . والده هو الدكتور الدرديرى حسن اسماعيل البيلي ووالدته هى الأستاذة ام كلثوم محمد اسماعيل البيلي .
حفظ ياسر القران الكريم على يد خاله أحمد محمد اسماعيل البيلي وهو حائز على دكتوراة فى إدارة الأعمال .

كتب : نيازي أبو علي

قدم سفير الأغنية السودانية الفنان د. إبراهيم عبد الحليم المقيم بالخارج سهرة خاصة، بإطلالة ورؤية بصرية مختلفة تم بثها في أيام عيد الفطر بشاشة فضائية النيل الأزرق، وبمناخ ومزاج سوداني.
أستطاع من خلالها د. ابراهيم أن يجتهد في تقديم عدد سبعة من الأغنيات المصورة منها(سوي الجبنة، وبلدي يا حلو الجنان،والجنزير التقيل) من روائع الأغنيات التراثية وبايقاعات متنوعة طافت بالمشاهد باماكن سياحية مختلفة بالسودان بالإضافة للرؤية الإخراجية المميزة، إستطاعت أن تلفت نظر عدد كبير من المتابعين احتفوا بها عبر مشاركة مقاطع فيديوهات الحلقة بوسائط التواصل المختلفة بداخل وخارج السودان.
حيث قدم باقة من الأغنيات باماكن تصوير طاف بها بعدد من مناطق السودان.

الشاعر عبد الوهاب هلاوي، قال تابعت علي الشاشة الزرقاء الفنان الدكتور ابراهيم عبدالحليم، في مناخ سوداني، وللحق من لا يشكر الناس لا يشكر الله، الصديق والفنان ابراهيم يقدم جهداً جدير بالتامل والأحترام يعينه صدق موهبته وإيمانه بحظوظه كاملة في ان يقدم ما يمتع ويفيد.
عبركم ارسل تحية خاصة لهذا الفنان المبدع، واشكره علي ما يقدم من نماذج متعددة.
من زاويا شوف مختلفة بداية بالفكرة والألوان.
وختم هلاوي امنياتي له بمزيدا من العطاء وما التوفيق الا من عند الله.
من جانبه امتدح الشاعر التيجاني حاج موسي، الدور الكبير الذي يلعبه الفنان ابراهيم عبد الحليم في نشر الأغنية السودانية بالخارج، واصفا إياه بسفير الأغنية السودانية.
يذكر أن السهرة تم الإعداد لها بصورة مدهشة لعكس الجوانب المضيئة في السودان من مناطق سياحية تعزز من نشر قيم المحبة والسلام.
السهرة وقع على دفتر إخراجها المخرج/ دفع الله حامد.

 

منصور الصويم

 

«لا لست أنا الحجر الذي يُلقى في الماء ولكني البذرة التي تبذر في الحقل»

الطيب صالح

تشتغل هذه القراءة على «التغيير»، وتتخذ منه مفهومًا يحيل إلى «الفعل الثوري» المكتمل، ومحورًا ينبثق منه ما يوحي بالحركة والتبدل والاستمرارية، الذي يعني بدوره القطع التام مع «القديم – الماضي – المتصور – الفاسد والساكن»، كما يشير إلى الاستمرار في الفعل التغييري وامتداده في الزمان والمكان من دون توقف، وبتعبير أدق التغيير هنا يعني الاقتلاع النهائي وإحلال الجديد المغاير.

والمحاولة هنا، للربط بين الفعل الثوري والفعل الأدبي، وما ينتج عنهما من مفاهيم آفاق –متغيرة– في كل من النطاقين الثوري والأدبي، تأخذ حيويتها من حيوية الثورة السودانية الأخيرة، التي اجتثت بفاعليتها «التغييرية – الثورية» نظامًا مهيمنًا وسكونيًّا يأبى على التغيير أو الاستعداد لتقبله، وأبدلته بنظام متغير ومتجدد تفترض فيه الحركية «التحسينية» المستمرة. أي أنها –الثورة السودانية– فعل ثوري تغييري مستمر إلى أن تتحقق جميع أهدافها في التغيير المنشود. وبهذا المعنى يصبح الاشتغال على أعمال الطيب صالح السردية من زاوية التغيير هي محاولة لرصد اللحظات الثورية الدقيقة الفاصلة في بعديها الفردي والمجتمعي حسبما اقتضت شروط النص الروائي- القصصي، وهو الشيء الذي أحاول تطبيقه على هذه الأعمال بالتركيز على دور التغيير في تطور ونمو الشخصيات السردية في أعمال الطيب صالح الروائية والقصصية.

تغيير أم تحول؟
بإجراء عملية مسح سريعة لشخصيات الطيب صالح السردية، في رواياته وقصصه القصيرة ومروياته السردية الأخرى؛ سنكتشف أن السمة الغالبة على أكثر هذه الشخصيات هي سمة التحولات – النفسية الاجتماعية، أكثر من سمة التغيير – الثورية التي ارتبطت بشخصيات محددة، سنتناول بعضها في هذه الورقة. وسنلحظ من خلال تناولنا لشخصيات الفعل التغييري أو الفعل الثوري، أنها لا تنفصل في فعلها هذا عن شخصيات التحولات، بل إن أكثرها ذو ارتباط إلهامي – إيحائي بهذه الشخصيات، فموقف الشخصية المتحولة في هذه الأعمال أسهم بقدر ما في حفز الشخصية الثورية للتحرك جهة التغيير وممارسته كفعل ثوري أحدث هزة عنيفة داخل المجتمع، أو ضرب بقوة هزت التكوين النفسي – الفردي لهذه الشخصية أو تلك.

مصطفى سعيد.. ملهم التغيير
كان بإمكان مصطفى سعيد «الشخصية المركزية في رواية موسم الهجرة إلى الشمال»، أن يحدث تغييرًا ثوريًّا فارقًا في البيئات التي تحرك في مجالها، سواء أكانت داخل السودان أو في أوربا – إنجلترا، كما كان بإمكانه أن يحقن الوعي والتثوير في شرايين كل من عرفهم بدلًا من أن يحقنهم بـ«جرثومة» الموت والهلاك. وبالرغم من أن مصطفى سعيد شخصية إشكالية معقدة وفصامية، فإنه مرّ بثلاث محطات مهمة على الأقل، كان جديرًا أن يتوقف عند إحداها ويحدث تغييرًا جذريًّا في صيرورة حياته، إلا أنه بدلًا من ذلك اختار «تحولات» صغيرة ومؤقتة لم تمكنه من حرق الماضي بكل مآزقه ومآسيه وبناء مستقبل جديد مختلف ومغاير.

المحطة الأولى التي أرى أنها كانت جديرة بقلب كيان مصطفى سعيد وتثوير حياته الكئيبة هي تلك اللحظة التي اكتشف فيها أنه مجرد «أكذوبة»، وذلك داخل قفص المحكمة أثناء وقائع محاكمته بجريمة قتل زوجته الأولى الإنجليزية «جين موريس»؛ ففي اللحظة التي كان محاموه يحاولون فيها الدفاع عنه وإظهاره بمظهر «الإفريقي» المتحضر لا «المتوحش» انتصارًا لرؤيتهم الاستشراقية، اكتشف مصطفى سعيد زيف وعيه وضآلة موقفه، وأنه لا يعدو أن يكون مجرد صورة مشوهة للآخر –المستعمر الذي كان يظن أنه ينازله ويحاربه في عقر داره حين صرخ «جئتكم غازيًا». فهو القائل: «هذا المصطفى سعيد لا وجود له، إنه وهم، أكذوبة. وإنني أطلب منكم أن تحكموا بقتل الأكذوبة» هذه لحظة تعرٍّ نادرة، إلا أن مصطفى سعيد أضاعها باستغراقه أكثر في تعقيدات شخصيته المغرورة والمأزومة، ولم يتحرك قط تجاه محو «الأكذوبة» وإحلال «الصدق- الحقيقة» مكانها، وتلك عملية تغيير ثورية إن فعلها لأحدثت انقلابًا كاملًا لمجرى حياته وحياة الذين ينجذبون إلى بؤرته المغناطيسية المدمرة، لكنه لم يفعل.

اللحظة الثانية التي أتيحت لمصطفى سعيد وأضاعها، هي لحظة خروجه من السجن ومواجهته نفسه في صقيع –جليد تلك البلاد التي «تموت من البرد حيتانها». وهي في رأيي لحظة وجودية فارقة، تكشف عن أنه لا معنى لحياة مصطفى سعيد الماضية: «يتشرد في أصقاع الأرض من باريس إلى كوبنهاغن إلى دلهي إلى بانكوك وهو يحاول التسويف»، المدهش أن هذه اللحظة الوجودية النادرة– الضياع والتشرد- تأتي في الرواية عابرة وسريعة ومختصرة ومضاعة؛ كأنها تعبر تمامًا عن فشل مصطفى سعيد في الإمساك بأهميتها وتطويعها لإحداث التغيير المطلوب وتحقيق الأفضل له وللآخرين، بيد أنه كان منقادًا للمأساة!

اللحظة الثالثة والمفصلية التي عبرت مستر مصطفى سعيد تحققت بعد عودته إلى السودان واختياره قرية نائية للسكن وقضاء بقية حياته. هنا أحدث الرجل تحولًا محدودًا ومؤقتًا، وغامضًا! إذ اكتفى بحبس ماضيه «التنويري» بين جدران غرفة غريبة على المكان – القرية في محاولة منه للتحايل على هذا الماضي فيما يشبه الحنين الموارى بستائر ثقيلة تحجب عن الآخرين المعرفة، وذلك من دون أن يقدم على نقد هذا الماضي أو مراجعته ومن ثم القطع أو التصالح معه حتى يتسنى له التحرك بحرية صوب نقطة التغيير الحقيقية وليس دائرة التحول المتوهمة التي ظل يدور داخلها إلى أن أخذته دوامتها المتلاطمة إلى الأبد. نعم، أحدث مصطفى سعيد تحولًا في القرية وضخ بعض المعرفة والوعي بين أفراد مجتمعها الصغير، نظم الأشياء، وأدارها بشكل علمي «هو الذي أشار علينا باستغلال أرباح المشروع في إقامة طاحونة للدقيق. (…) وهو الذي أشار علينا أيضًا بفتح دكان تعاوني. الأسعار عندنا الآن لا تزيد عن الأسعار في الخرطوم» موسم الهجرة إلى الشمال. لكنه –على الرغم من الأفكار الاشتراكية- فإنه لم يسعَ قط إلى إبدال الوعي القديم– الساكن لدى هذا المجتمع وتغييره إلى وعي متقدم يسهم في نقل القرية– المجتمع إلى مربع آخر، وإن حدث ذلك لتفادت القرية المأساة التي سيكون لمصطفى سعيد نصيب منها، سواء بتخاذله وجبنه عن «المنح» أو من خلال تلك الشحنة الهائلة من الوعي التي وهبها شخصًا واحدًا، وأدت إلى تغييره وتدميره معًا. تلك الشخصية هي حُسنة بت محمود، التي غالبًا تلقت تلك الجرعة من الوعي الهائل – المدمر دون «وعي» أو قصدية مباشرة من المتحول السلبي مصطفى سعيد!

 الزين.. طاقة متحولة
إنْ كانت هناك شخصية مضادة لشخصية مصطفى سعيد، وتمثل معكوسها في كل شيء فبلا شك ستكون هذه الشخصية هي شخصية الزين المبروك بطل رواية «عرس الزين». فبينما نجد أن مصطفى سعيد يحرق بنيران مأساته كل من يقترب منه، يفعل الزين العكس تمامًا لمن يقتربون منه؛ إذ يهبهم «المبروك» الحيوية والسعادة وينعش آمالهم في الحياة بعد يأس «أصبح الزين رسولًا للحب ينقل عطره من مكان إلى مكان، كان الحب يصيب قلبه أول ما يصيب ثم ما يلبث أن ينتقل منه إلى قلب غيره» عرس الزين.

تموقع نظرية «التحليل الفاعلي» للبروفيسور الشيخ محمد الشيخ، شخصية الزين في موقع مثالي بين شخصيات الطيب صالح الأخرى؛ إذ يمثل الزين وفقًا لـ«التحليل الفاعلي»، بنية الوعي الخلاق في مقابل بنيتي الوعي البرجوازي والتناسلي. واحتلال الزين لهذا الموقع المثالي يتحقق -وفقًا للنظرية- استنادًا إلى شخصيته المعطاءة بلا حدود، الشخصية التي تقدم الآخرين على رغائبها الذاتية وتسعى جاهدة لمساعدة وإسعاد الجميع. هذه الصفات الخلاقة تجعل من الزين شخصية محورية في عملية التحولات التي تحدث في قريته ود حامد، بيد أن أثره الإيجابي هذا لا يتجاوز مرحلة التحول لينتقل إلى مربع التغيير الثوري الشامل، وربما يعود هذا إلى الطبيعة التركيبية لهذه الشخصية؛ كائن بسيط وطيب وأقرب إلى الدرويش. أسهم الزين في تغيير رؤية أهل القرية نحو جيرانهم الأغراب والمستضعفين «العتقاء والأعراب»، كما أسهمت تحولاته الشخصية في تحويل شخصية سيف الدين من رجل ماجن وداعر إلى رجل ملتزم ومسؤول، وأخيرًا تحول الزين نفسه إلى شخصية «منتمية» لا تنفصل عن المجتمع، ولا تنفصل في الوقت ذاته عن مكوناتها الخلاقة. بذرت شخصية الزين الفاعلة، في أرض الثبات التي تتحرك فيها شخصيات رواية «عرس الزين» –والروايات الأخرى– بذرة تغيير كبرى، ظلت فقط بانتظار من يرعاها جيدًا لتنمو وتزهر وتحدث التثوير المرتجى.

شخصيات أخرى متحولة
قبل الانتقال إلى مربع الشخصيات المتغيرة، والثائرة بين شخصيات الطيب صالح السردية، يجدر بي الإشارة إلى شخصيات أخرى، حملت جيناتها السردية مؤشرات التغيير لكنها اكتفت فقط إما بلعب دور محايد، أو إحداث تحول طفيف في بنيتيها الذاتية والمجتمعية. من هذه الشخصيات، الشخصية المحورية في كل أعمال الطيب صالح، وأعني الراوي محيميد، ابن القرية الذي تلقى تعليمًا حداثيًّا مختلفًا، وامتهن مهنة تنشئية وتربوية تمكنه من التأثير في الآخرين، وبالتالي حقنهم بدرجات الوعي المفترضة من رجل مستنير مثله، إلا أنه آثر السلامة واتخذ موقف المراقب والراصد المحايد، الذي يتابع – ينقل الوقائع كما هي دون أدنى محاولة للتأثير، وقد واتته فرصة التغيير الكبرى حين احتك بمصطفى سعيد، وخبر قصته الغريبة؛ وحين تورط في رعاية ابنيه، وأحب في تخاذل وجبن زوجه – أرملته -حُسنة بت محمود– التي ترجته لينقذها من مصيرها المأساوي بالزواج منها، لكنه آثر الهرب: «لكنني الآن أسمع صوتًا واحدًا فقط، صوت بكائها الممض. ولم أفعل شيئًا. جلست حيث أنا بلا حراك وتركتها تبكي وحدها لليل حتى سكتت». موسم الهجرة إلى الشمال. الشخصية الأخرى التي يمكن الإشارة إليها وإلى حالة التحول الكبير التي طرأت عليها دون أن تحدث تغييرًا ثوريًّا معتبرًا، هي شخصية سعيد عشا البايتات، أو سعيد البوم؛ فالرجل بمثابرته وصبره ودهائه تمكن من قلب موقعه في المجتمع تمامًا، فبدلًا من احتلاله قاع المجتمع موسومًا بلقب «البوم»، الذي يعني «الطيب، العبيط، السلبي.. إلخ»؛ ارتقى الرجل ليحتل – عبر المال والدهاء – موقعًا متقدمًا في صدارة المجتمع مصاهرًا في ذلك ابنة ناظر المدرسة شخصيًّا، في اقتران غريب بين التخلف والحداثة «ناظر شنو؟ أنا فاضي في الناظر ولا حتى في العمدة. أنا عندي القروش، علي الحرام في اليوم العلينا دا إن درت بت العمدة آخدها». بندرشاه – ضو البيت. وعلى الرغم من أن سعيدًا انتزع انتزاعًا لقبه الجديد «عشا البايتات» الذي يعني الفارس حامي النساء، فإنه في حقيقته وعمقه التكويني ظل كما هو «سعيد البوم»، فلم يترك أثرًا كبيرًا!

شخصيات التغيير
سأتناول في المساحة التالية، ثلاث شخصيات أساسية من شخصيات الطيب صالح السردية، في رأيي أنها مثلت نقلة تغيير ثورية كبرى بين شخصياته الأخرى، وقدمت نموذجًا مثاليًّا لما يحدثه التغيير من قطع مع الواقع القديم، والواقع الجديد الذي تحدثه بثورتها أو ثوراتها المفاجئة، التي تحدث انحرافًا غير متوقع في المسار البنائي للعمل السردي بأكمله.

ثورة أولاد بكري.. التغيير المنظم
من المفارقات التي تستحق التوقف، أن أكبر عملية تغيير أحدثتها شخصيات الطيب صالح السردية، هي ثورة أبناء أخت محجوب «أولاد بكري» ضد خالهم محجوب! والمفارقة تكمن في شيئين، الأول أن من ثاروا عليه «محجوب» مثّل في زمن من أزمنة قرية ود حامد صوت الاحتجاج والتغيير والثورة ضد الظلم. أما الشيء الثاني فيأتي من وصف أولاد بكري لخالهم محجوب بالدكتاتور الذي كتم أنفاس العباد لمدة ثلاثين عامًا، تحكم خلالها هو وشلته في كل شأن، أقصوا الآخرين وأفسدوا ما أفسدوا. وهو توصيف يكاد ينطبق على الثورة السودانية التي أطاحت بدكتاتور جثم على صدر الشعب لمدة ثلاثين عامًا، تحكم خلالها هو وعصابته في شؤون السودان وأهدروا موارده وأفسدوا فسادًا عظيمًا، إلا أن حال محجوب «الدكتاتور المصلح» يختلف كثيرًا بالطبع عن حال الفاسد عمر البشير.

ثورة أولاد بكري ضد خالهم محجوب، في رواية «بندرشاه –ضو البيت»، تعطي نموذجًا مثاليًّا لفاعلية وسائل التغيير الجماعية الحديثة، التي يمكن إجمالها في التنظيم، والحشد المبني على الحوار والإقناع، والاجتماع الديمقراطي– التصويت «… كلام أولاد بكري بدأ يؤثر في قلوب الناس وتكون لهم حزب معارض أخذ يقوى ويشتد وقاموا بجمع التواقيع لعقد اجتماع عام للجمعية التعاونية وهو أمر لم يحدث منذ تكوين الجمعية». بندرشاه – ضو البيت. وعلى الرغم من أن جذور الصدام بين محجوب وأبناء أخته تعود إلى نزاع عائلي بحت حول «قطعة أرض»، فإن هذا الصراع تطور مع الوقت وخرج من حيزه الضيق ليتحول إلى ثورة ناجحة أطاحت بمحجوب ومجموعته وغيرت موازين العلاقات تمامًا في القرية الصغيرة ود حامد «محجوب بعد ما يربو على ربع قرن من السلطان المطلق، وجد نفسه وجهًا لوجه أمام شعب ود حامد يقاضونه الحساب». بندرشاه – ضو البيت. وأكثر ما يؤكد ثوريةَ أولاد بكري، ويدلل على التغيير التام الذي أحدثوه بذواتهم ثم بمن حولهم، هو موقفهم من «صلة القرابة»؛ إذ لم تؤثر هذه الصلة الأبوية القبيلية أدنى تأثير في مساعيهم نحو التغيير والإطاحة بـ«خالهم»، وتجاهل موقف والدتهم العاطفي الذي ترجمته في شكل سيل من الشتائم قذفتها بهم أمام الجميع بقصد تعريتهم والتبرؤ منهم حتى يرعووا ويوقفوا فعلهم الثوري. إلا أنهم مضوا بثورتهم إلى النهاية وكأنهم يهتفون بإصرار مرعب: «تسقط بس».

ضو البيت – بندر شاه
النموذج الثاني للشخصيات المتغيرة، التي أتناولها في هذه الورقة، وأرى أنها أحدثت فرقًا ثوريًّا في مسارها البنائي بين شخصيات الطيب صالح السردية؛ هي شخصية الغريب في رواية «بندرشاه – ضو البيت». فبعكس الغرباء، السائحين، الزائرين، الغزاة، الأسرى، والباحثين عن المجد؛ انسلخ غريب الطيب صالح «بندرشاه – ضو البيت»، من ثقافته القديمة وترك انتماءه القديم خلفه لينتمي إلى هذه البلاد ويصبح واحدًا من أهلها في أخطر عملية تغيير يمكن أن تحدث لشخص ينتمي ثقافيًّا إلى حضارة أكثر تقدمًا بحسب الرؤية الاستشراقية التي ينتمي إليها. و«الاستشراق»، كما طرحه «إدوارد سعيد»؛ هو الموقف المتوقع من شخصية مثل بندرشاه – ضو البيت، وبناء على هذا الموقف تنبني مواقفه الأخرى تجاه الآخرين الذين استضافوه أو أنقذوه «السودانيين – الأفارقة – العرب – العالمثالثيين – المتخلفين»، لكن الذي حدث عكس ذلك تمامًا، إذ أحدث الصدام الحضاري المفترض بين الوافد الغريب والمجتمع الجديد نتيجة مختلفة تمامًا، بتبنيه للثقافة الجديدة وتصالحه مع المجتمع والتضحية بثقافته القديمة وحضارته المتفوقة مثلما تظهرها كتابات الرحالة – المستشرقين – الغرباء الآخرين.

ربما، أراد الطيب صالح في هذه الرواية بخلق هذه الشخصية أن يكمل مشروعه العظيم في خلخلة المفاهيم الاستشراقية وتفكيك الأوهام الكولونيالية؛ مشروع أسس له في روايته الأشهر «موسم الهجرة إلى الشمال» ورسخ دعائمه بالدفع بشخصية بندرشاه من ظلام البحر إلى نور الحياة، وإن استعرنا مصطلح إدوارد سعيد عن «الكتابة المضادة»، وحورناه قليلًا لمثل ضو البيت «الشخصية المضادة» لشخصيات «المستشرقين» التقليدية بتقبله الآخر واندماجه الفاعل في المجتمع دون إسقاط استكشافي واستيلائي على هذا الآخر. «..عاش بيننا مثل الطيف ومضى مثل الحلم، عشرة مواسم لا غير، خمسة أعوام بحساب السنين، عمل فيها ما لم يعمله الناس في العمر كله، خير الدنيا انهمر عليه كأنه يقول للشيء كن فيكون». بندر شاه – ضو البيت. وربما أراد الطيب صالح أيضًا بتقديمه لـ«ضو البيت» بذاكرة كأنما هي صفحة بيضاء، إثر فقدانه ذاكرته؛ أن يشير إلى أن الإنسان بعيدًا من التصورات المسبقة عن الآخر، هو الإنسان سواء أكان هنا في خط الاستواء، أم هناك وراء البحار من حيث أتى الغريب «بندرشاه – ضو البيت».

حُسنة بت محمود.. عنف التغيير
يمكنني القول بكل ثقة: إن حُسنة بت محمود – زوجة مصطفى سعيد، هي أكثر شخصيات الطيب صالح ثورية، وإنها أكثر الشخصيات التي حققت متطلبات التغيير، وأقدمت على ذلك بكل شجاعة وتضحية ونكران ذات. ما الذي فعلته حُسنة بت محمود؟ ومن أين استمدت هذه القوة الهائلة على التحدي والقتال إلى آخر رمق؟

أقدمت حُسنة بت محمود على فعل زلزل أركان القرية الوادعة على ضفاف النيل، فعل لم يتوقع أحد أن تأتي به امرأة من نساء «ود حامد» المسالمات المطبوعات على الخنوع والانقياد الأعمى لرغبات مجتمعهن الأبوي الصغير، فكل شيء هادئ هنا منذ مئات السنين، ولم يجرؤ أحد من قبل على خرق المألوف ورفض الأعراف والتقاليد والتصريح بـ«لا» أمام الجميع. تأثرت حُسنة بت محمود بزوجها الغريب وتغيرت واختلفت تمامًا عن نساء القرية، وكأنما وهبها مصطفى سعيد النصف المخفي من «وعيه» و«ثقافته» و«تمرده» و«ثوريته»؛ النصف الذي أراد له أن يكون مطمورًا يتحكم في إخفائه نصفه الآخر – المرتبك والفصامي المعقد.

حين مات مصطفى سعيد أو اختفى أراد الأب في مجتمع ود حامد الصغير – الأب البيولوجي والأب الجمعي – أن يعيد سيطرته وتحكمه في «المرأة – الأرملة» حُسنة بت محمود، وذلك بتزويجها كيفما اتفق وإن كان هذا الزوج يفوق والدها سنًّا ويقل عنها وعيًا وثقافة وإدراكًا للأشياء. المأساة التي نتجت عن هذه المحاولة القسرية في تزويج حُسنة من المسن ود الريس، كشفت عن شخصية جديدة حلت محل الشخصية القديمة، شخصية ثائرة وعنيفة ومصادمة، حُسنة أخرى غير التي يعرفونها. هذا العنف الدموي الذي لخصت به هذه المرأة حياتها كان بالإمكان تلافيه لو أن شخصًا موازيًا لـمصطفى سعيد ترك التردد قليلًا وجارى حُسنة في محاولتها الحفاظ على خصوصيتها المختلفة عن السائد، وأعني هنا الراوي محيميد، الذي تجابن وتخاذل عن نصرتها وهي التي ترجته أن يتزوجها وإن صوريا تفاديا للمأساة. وصف أهالي ود حامد حسنة بت محمود بالجنون: «(…) جنون بنت محمود ليس في الأولين ولا الآخرين». موسم الهجرة إلى الشمال، وذلك بعد أن أكملت فصول ثورتها – مأساتها بقتل ود الريس والتمثيل بجثته في عملية قتل أخرى رمزية للذهنية الذكورية التي حاولت إخضاعها وإيقاف «حالة التغيير» التي حدثت لها «كانا قد ماتا لساعتهما. كان الدم حارًّا يبقبق من قلب بت محمود وبين فخذي ود الريس. الدم ملأ البرش والسرير وجرى جداول في أرض الغرفة».

عجز أهالي القرية نساء ورجالًا بعقليتهم الذكورية المصمتة عن فهم هذه الحالة «التغيير – الثورة»، لذا وصفوا ما أحدثته حُسنة بـ «الجنون»، والجنون مرادف للثورة، مثلما الموت رديف للتغيير: يقول الثائر البوركيني القائد توماس سنكارا: «لا يمكنك إجراء تغيير أساسي دون قدر معين من الجنون. في هذه الحالة، يأتي الجنون من رفض التوافق مع الأوضاع، والشجاعة لترك الصيغ القديمة، والتقدم لاختراع المستقبل. لقد احتجنا لمجانين الأمس؛ كي نكون قادرين على التصرف بوضوح شديد اليوم. أريد أن أكون واحدًا من هؤلاء المجانين. يجب أن نجرؤ على اختراع المستقبل». وحُسنة بت محمود، بجنونها القاتل، اخترعت المستقبل.

 

بقلم : محمد فتحي

ما سأرويه هنا ليس وحيا نبع في قلبي من العدم فترجمه خيالي لقصة تعجز العقول عن رؤية حقيقة انها كانت واقعا لم ازد فيها حرفا ان لم انقص منها الكثير ، انها قصة اكرمتني الاقدار بأن اكون شاهدا عليها وعجزت دوما عن سردها لهول مافيها من مشاعر فياضه تملكني الخوف من ان تقصر حروفي من ايصالها كما هي وكما لامسها قلبي ، ولكن الاحداث الاخيرة المؤلمة بمدينة الشروق كسلا جعلتني اقاوم خوفي واكتب عنها لاحاول ان افصح عن جزء يسير من ما تستطيع حروفي ان تنقله فلهم ولتلك المشاعر الغارقة في المحبة النقيه الصافية كل العتبي من شخصي الذي اخذه الشهود مما راي .


في الاصل هما اسرتين واحدة من اهلنا النوبه والثانيه من اهلنا البني عامر تجاورا لسنين طويله وتربي ابنائهم مع بعض كالاخوة ، كانا بيتين في بيت ، اذا نقص ملح هنا تجده هناك ، واذا نقص ملاح هناك تجده هنا ، كل منهم له هويته المختلفه من الاخر ، كل منهم له عاداته تقاليده تدينه المختلف عن الاخر ولكن كل ذلك ذاب في وعاء المحبة النقيه تحت سماء وارض الوطن الذي جمعهم برغم بعد منابعهم .


اضطرت ظروف العمل للاب النوباوي ان يرحل باسرته جنوبا نحو جوبا واستقرت الاسرة هناك وظلت الاسرة الثانيه في مكانها تزعزها نبضات الشوق لهم ، في فترة البعد تلك كبر الاطفال وانشغل الجميع بمعاشه وتقطعت السبل بينهم الا من اتصال بين كل فترة واخري وكان ذلك الاتصال بمثابة الحبل السري بينهم يمدهم بما افتقدوه بسبب البعد من محبة ورحمة وصلة .
جوبا 2019 ..
بعد فراق سنين ولوعة قرون شاءات الاقدار لهم ان يلتقيا وكان لقاءا علي قدر ، لم اكن الا رفيق شاء القدر ان اكون حضورا لذلك المشهد الذي اعلم تماما ان الكلمات تعجز عن وصفه ، كانت هي في جوبا لاول مرة في حياتها وحزمت امرها للقاء خالتها مهما تطلب الامر وقد كان .
التقيا واحتضنا بعضهم كأحتضان السحب لبعضها قبل هطول المطر وانهمرت الدموع امطارا وعجز كل الحاضرين عن التماسك وبكت كل المُقل امام انفجار طاقة المحبة التي شعت وانتشرت وملأت المكان بأسره ، وتدفق سيل الذكريات يملا المكان بعبق المحبة الذي كدنا ان نلامسه بأيدينا من فرط قوة اشعاعه وليتنا كنا نستطيع الامساك به .


ليت المشاعر كانت شئ مادي نستطيع حمله في كفوفنا ، اذن لحملت من ينبوع محبة تلك الاسرتين معي ونثرته في كل شرقنا الحبيب بل في كل ربوع هذا الوطن .
اتأسف لتلك المشاعر وذلك الحب الذي عشت انفجاره فأنا اعجز عن ايصاله للناس كما هو وكما كان ، ولكن اتمني ان تتسلل تلك المشاعر النقيه الصافية من بين حروفي لكل من يقرأها الي داخل قلبه لتضئ شعلة هذه المحبة في دواخلهم وتصبح نبراسا لكل التائهين في ظلمات الكراهية وبحور الحقد لتقودهم الي النور ، نور الحب الذي شاع واضأء من اصغر نقطة بين قلبين في جوبا الي اقصي نقطة في السماء وعلي امتداد الكون ..
كونوا بخير واسأل الله لكم دوام المحبة بينكم واسأل الله ان يمنحنا من فيض تلك المحبة جميعا .

 

بقلم - نيازي ابو علي
زيارة خاصة جداً، في بيت فنان ليهو قيمة ،العميري:عندك وقفت من المشي وغرقت في ضوء النهار

يعد الفنان الراحل عبد العزيز العميري، نموذجاً متفرداً لمعنى الفنان الشامل، في رقته وسماحته وطيبة معشره، كان نسيجاً وحده، وزهرة يانعة في بستان الفن، وطائراً غرّيداً يشجي المسامع، سحراً من الكلمات، والموسيقى، والألحان الموقعة كالهمس، والأمنيات العذبة.

ولد العميري بعروس الرمال مدينة الأبيض، التي تفتخر به كثيراً كواحد من مبدعيها الأفذاذ، الخالدين بعطائهم الثر وتجربته المميزة في مسيرة الإبداع السوداني، شعراً ومسرحاً وتمثيلاً وغناءً تغنى بكلماته الفنانون "مصطفى سيد أحمد، حمد الريح، وسيف الجامعة" كما تغنى العميري وأطرب.
عمل الراحل عبد العزيز العميري ، مخرجاً بارعاً بالتلفزيون والإذاعة وتحفظ له مكتبتي التلفزيون والإذاعة، كثيراً من برامج المنوعات والسهرات والمسرحيات الجميلة.
ـــــــــــ
في منزل العميري، كان الاحتفاء حاراً، والكرم فياضاً، والبشاشة لونت الوجوه الوضيئة، رغم اجترار الذكريات، الذي جدد كثيراً من الأحزان.

الأستاذ شريف العميري الشقيق الأكبر للراحل الفنان عبد العزيز العميري حكى بشجن عن تأثير العميري على حياته، وقال بذاكرة متقدة: (أصبحت خطيباً وشاعراً بفضل علاقتي الحميمة مع شقيقي الأصغر الراحل عبد العزيز).
وأوضح شريف العميري، أن شقيقه، ولد في مطلع العام 1954م، درس الإبتدائية بالمدرسة الشرقية (كُتاب الأبيض) وبعدها انتقل الى المرحلة المتوسطة بمدرسة (الأبيض الأهلية) قبل أن يشد رحاله الى العاصمة الخرطوم ليلتحق بالتدريب المهني، ويعمل بمصنع النسيج السوداني.
شريف قال إن انطلاقة العميري الفنية، بدأت من مركز شباب أم درمان، وكان وقتها يقطن بحي أبوروف، قبل أن يلتحق بالمعهد العالي للموسيقى والمسرح في عام 1975م الدفعة السابعة، التي زامل فيها المبدعين خطاب حسن أحمد، محمد عبد الرحيم قرني ومنى عبد اللطيف.

وقال شريف إن شقيقه عقب تخرجه من المعهد التحق بالعمل مخرجاً بتلفزيون السودان وشارك في إخراج العديد من المسرحيات منها:(وادي أم سدر، تاجوج، المهدي في ضواحي الخرطوم، التحدي وأحلام الزمان).
واضاف شريف أن الراحل عبد العزيز وضع بصمته الخاصة في الكثير من البرامج التلفزيونية الشهيرة منها، (محطة التلفزيون الأهلية) وكان من أميز الأعمال التي قدم من خلالها الراحل الدراما والشعر والغناء.

وأكد شريف، شارك في كثير من المسرحيات والمسلسلات الإذاعية، منها (سفينة نوح، ودنيا صفاء ودنيا انتباه ، بت المنا بت مساعد) كما كتب العميري الشعر بالعامية والفصيح وله ديوان يحمل عنوان (بعيد ياخوانا بتذكر)، كما له الكثير من النصوص الغنائية مثل أغنيات (الممشي العريض للفنان مصطفى سيد احمد، يا نديدي واجيك من وين لسيف الجامعة، وست القلوب لحمد الريح، ولو أعيش زول ليهو قيمة، الأغنية التي قدمته للساحة كفنان كبير.

وعن يوم رحيله حكى شريف عبد الرحمن بعيون دامعة: (سمعت بالخبر وأنا في مطار الخرطوم، تحركت وقتها مسرعاً لمنطقة أبوروف التي كان يقطن بها العميري وجدت كل نساء الحي في المنزل، تحركنا بسرعة نحو مقابر أحمد شرفي وحين وصلنا كان جثمان العميري قد ووري الثرى، حزنت حزناً عميقاً وكتبت مرثية بعنوان (طائر الفردوس ) قلت في جزء منها: (شلت يميني وانقطعت عن الورى/ وتكشفت عن شرها الأزمان/ يا طائر الفردوس هل غادرتنا / وتركتني متظلماً أم حالماً بأمان/ يا فارساً عقدت لواءك غبطة/ وبشاشة مزهوة الألوان).

الشاب محمد حمزة الذي رافقنا لزيارة الممشي العريض، بحي الربع الثاني ذلك الشارع الذي كتب عنه العميري قصيدته المشهورة لمصطفى سيد احمد قال:(إن العميري رمز من رموز شباب كردفان الذين قدموا الكثير من الأعمال الخالدة في ذاكرة الشعب السوداني).
أما صاحب بقالة (الممشي العريض) قال :(الشارع ده مفروض يكون ليهو قيمة، لأنه خالد في تاريخ الغناء، كتب عنه
العميري وتغنى له مصطفى سيد أحمد)، ثم شدا بصوت

جميل: (مكتوبة في الممشى العريض/ شيلة خطوتك للبنية/ مرسومة بالخط العنيد/ في ذمة الحاضر وصية / شاهدة التواريخ والسير والإنتظار/ أدوني من قبلك مناديل الوصول/ وفردت أجنحة العشم/ في ساحة الوطن البتول/ وضحكت ما هماني شيء / وبكيت ولا هماني شيء/ عندك وقفت من المشي/ وغرقت في ضوء النهار

 

بقلم - نيازي ابو علي

تمضى بخطي واثقة، لتحجز لنفسها مكانة متقدمة في صفوف نجمات الشاشة، انها ذكري عبد الوهاب عبد الله، مقدمة برنامج (ست الكورة) الذي يعد واحد من اشراقات البرامج الرمضانية.

بدأت مسيرتها الاعلامية، بإذاعة الأبيض، في ثنائية مع زميلها عز العرب آدم، ثم انتقلت للعمل بشرطة الولاية، المكتب الاعلامي، ثم اذاعة ساهرون، قبل ان تهاجر برفقة زوجها للمملكة العربية السعودية، وتعود للاطلالة من جديد عبر الشاشة الزرقاء من خلال برنامجها (ست الكورة).
الي جانب موهبتها الاعلامية، وتجربتها الاذاعية، تمتلك ذكري موهبة التمثيل، وقد تجلت في بطولتها لفيلم ( الورشة) ومشاركتها في فيديو كليب (جدودنا زمان) الذي أحتفي بثورة ديسمبر للفنان الشباب احمد امين.

ذكري شابة عصامية بداخلها طاقة كبيرة تجعلها قادرة على مواجهة الصعاب فقدت والديها مبكرأ لتكن في محك كبير لخوض غمار التحديات لتتمسك بالحاضر والمستقبل معا بمدينة الأبيض بحي الرديف. ويمكنك الإحساس بهذا الأمر عند مقابلة أي امرأة عصامية، حيث إنها تشع روحاً من العزيمة والإصرار والمثابرة لا يمكن تجاهلها، ويظهر عليها دوماً أنها متأهبة ومستعدة لأي شيء مفاجئ.

رحل والدها الشهيد عبدالوهاب عبدالله (بوب ) الذي استشهد في العام ١٩٩٠م بجنوب كردفان ووالدتها كانت تحمل بداخلها الطفلة التي لم تخرج للحياة.
تفتخر دائما بالمرأة العظيمة التي ربتها مبكرا وتقول ذكري
ربتني (امي حنان عبدالله) لها الرحمة والمغفرة
تلك المراة الصبورة المكافحة زوجة شهيد وام لبنت في زمن كان صعب جداً.
وتحكي ذكرى بحزن ( ربتني لوحدها ولم يشاركها تربيتي اي شخص ورحلت هي أيضاً وانا ابنة الاثنان وعشرين ربيعا و كنت وقتها خريجة من الجامعة حديثا.
وأضافت وبعد فترة من الحزن والبعد من كل شيء شاءت الأقدار أن يطرق باب منزلنا احد أصدقاء والدي بالشرطة و هو والد زوجي وعمي جمال صابون ( قال لي يا بنتي الحزن في القلب وعشان تخرجي من الانتي فيهو لازم تشتغلي وبحكم عمله كشرطي تم توظيفي في اعلام الشرطة وفعلاً كان وقتها مكتب إعلام الشرطة في حوجة لشخص لسدة بعض الأعمال ومنذ تلك الفترة عملت ومن مكتب اعلام شرطة الابيض انتقلت لاذاعة ساهرون ولم استمر طويلا تزوجت وانتقلت مع زوجي للسعودية )

لذكري ايادي بيضاء، وتجربة انسانية جديرة بالتقدير في العمل الخيري والطوعي والانساني بالولاية، حيث كانت تشكل حضورا فاعلا في مشاريع الشباب والقضايا التي تخدم انسان كردفان.

رغم قصر تجربتها التلفزيونية، الا انها استطاعت ان تلفت اليها النقاد والصحفيين، وقد كتب عنها الزميل الصحفي والناقد الفني محمد إبراهيم الحاج: ( قدمت المذيعة صاحبة التجربة الحديثة ذكرى عبد الوهاب اختراقا برامجيا جديدا عبر (ست الكورة) وهي تجارب نواعم في ملاعب الرجال (الخشنة)..تتفق هذه الحلقات تماما مع الصوت الانثوي ذو الضجيج الآسر الذي تغشى مختلف المجالات خلال الفترة السابقة...هو محاولة ربما كانت مضنية للغاية في انتاج حلقات اظهرت قدرة الفتاة السودانية على اختراق ماكان سياجا محكم الأغلاق بالختم الزكوري).

تمنياتنا لذكري عبد الوهاب، بتجربة تلفزيونية حافلة بالنجاح والتميز، وتهانينا لها بعبور برنامج (ست الكورة) لمصاف البرامج المميزة، عالية التاثير والمشاهدة.وحقا تستحق وسمها بزول جميل ونجمة تضيء في سماوات عروس الرمال وخارجها.

الهادي راضي

توطئة:

روى بن عساكر من حديث علي بن زيد الخرائطي عن محمد بن كثير، سمعت الأوزاعي يقول: خرجت إلى الصحراء فإذا أنا برجل من جراد في السماء فإذا برجل راكب على جرادة منها وهو شاك في الحديد وكلما مال بيده هكذا مال الجراد مع يده وهو يقول الدنيا باطل باطل ما فيها، الدنيا باطل باطل ما فيها. (تفسير بن كثير).

"بعد سبعة أيام خرج موسى عليه السلام إلى الفضاء، فأشار بعصاه نحو المشرق والمغرب فرجع الجراد إلى النواحي التي جاء منها."

(عندما يلوِّح الدّمْبَاري بعصاه، تتبعه أسراب الجراد حيثما سار).

***

جاء في تقرير لمنظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة (FAO) أن الجراد الصحراوي (Schistocerca gregarita) يعتبر من أكثر الآفات المهاجرة تدميراً في العالم. وظلت ترصد ملايين الدولارات سنوياً لمكافحته.

ولكن ثمة تقنية غيبية لمكافحة الجراد ربما لم تخطر على بال أحد من منظري وعلماء وموظفي منظمة الفاو؛ حيث ذكر عوض بابكر محمد عبد الله  في بحثه المعنون ب(استراتيجيات تكيف زراعة المحاصيل بولاية شمال دارفور)، مبحث إستراتيجيات التكيف مع الحشرات والطيور:

"أما إستراتجيات التكيـف معه - الجراد- فتتمثل في الرش والدمْباري."

 الدَّمْبَارِي.. من هو؟

أشار الباحث بحر الدين عوض شقف في دراسته الموسومة ب( من خصوصيات البيئة وأبعادها الثقافية في دار فور)، أن الدمباري وُصِف في الدراسات السودانية التي كتبها الانجليز، بطارد الجراد Locust banisher of Dar Fur. وذكر أن الدمباري هو شخص اكتسب فقهاً في أدب الجراد  الآكل للزروع والثمار وحتى الحبوب الخلوية منها، فقد خص على الإلمام بخواص الجراد، حيث أوتي القوة على اقتياده وتحريكه من موقع لموقع وعلى تصريفه حيث يشاء."

 

ويقول شقف: "عندما يحل الجراد بالبلاد، يستدعي رأس القبيلة أحد الدمبارة لطرده، فيقوم الدمباري بحرمان الجراد من الطيران وحبسه وتركه جاثماً على الأرض، دون طعام أو شراب، أي كأنه يكتب الصوم على الجراد على سبيل التربية والتأديب وتوقيع العقاب.

ويبقى الجراد على الأرض فلا يستطيع الحركة أو تناول الطعام لأيام، ثم يقرر إرساله- بعد العقاب-  إلى الجهة التي يريد، عامداً على إثارته وتهيجه، وعندما يرفع العصا - وغالباً ما يكون غصناً من العرديب- عالياً تهب أسراب الجراد فتطير إلى أعلى ثم يتحرك إلى الناحية التي يريد صرفها شاهراً للعصا، ملوحا بها فتتبعه الأسراب حيثما سار إلى أن يخرج من حدود القبيلة، فيسلمها إلى دمباري المنطقة الأخرى، فيتحرك الدمباري الآخر إلى آخر إلى أن يتم إجلاء الآفة إلى قمم الجبال وسفوح التلال، أو بعيداً إلى أرض مهجورة.

وفي ذات السياق يحكي الشاعر عالم عباس عن (غزوة) جراد في أحد المواسم بشمال دارفور فيقول: "أسراب الجراد، أياً كان نوعه، شاو أو ساري الليل، أم جُرْكـُم أو أم سميندو، تأتي غالباً، مع بدايات الدَّرَت حين "تلبِّن" السنابل، تماماً كما في المثل (بعد ما لبّنت جاها الطير)! حينئذٍ، يأخذ الناس هَمٌّ عظيم لمكافحتها وأذكر بعض مواسم هذا الغزو، وقد غطت أفق الفاشر غمامة سوداء صارت تقترب شيئاً فشيئاً، ثم بدأت بعض طلائع الجراد تتساقط محدثة أصوات كسقوط البَرَد، ثم أظلم الجو، وصارت السماء ملاءة سوداء تضطرب في هسيس، وما لبث أن حط بعضها على الشجر، فإذا به يعرى، وأوراقه تختفي، وتصبح سيقانه جرداء وبعض أشواك، والجراد ملتصق بأغصانه العارية، يأكل في شراهة مخيفة، وإذا البقايا مما أكلت متكدسة تحت الجذوع، وإذا الناس في هلع عظيم. ثم ما لبثت طائرات المكافحة الحمراء الصغيرة أن هدرت ترش السُّم! ساعة من زمان، ثم رويداً رويداً انقشعت تلكم الغمامة، والناس يحوقلون ويسبحون! أما حال المزارع حول المدينة فقد كان يغني عن السؤال: الجراد مر من هنا! في تلك الأطراف، وفي مكان منعزل، كان يقوم كوخ يبدو مهجوراً، عليه سيماء القذارة والإهمال، لا يقربه الناس، ويحذرون أطفالهم من الاقتراب منه، لذا كان خيال الطفولة ينسج حوله حكايات الرعب! وما أن تظهر طلائع الجراد، حتى يبدأ الناس يتهامسون: أين الدَّمْبَاري؟! وكان ثمة دائماً من يعرفون أين يجدونه! هو شخص زري الهيئة، نحيف الجسم، أقرب إلى الطول منه إلى القصر، مع انحناءة قليلة إلى الأمام، رث الثياب، تفوح منه نتانة ظاهرة، وعلى صدره وعنقه قلائد غريبة من عظام ولفائف وأشياء متنافرة وقذرة، وعلى رأسه إما قلنسوة عالية أو عصابة غريبة! كان أهل القرية يجمعون بعض النقود والأشياء العينية كأتاوة يعطونها لهذا الدَّمْبَاري كي يسوق الجراد بعيداً عن مزارعهم! وكان الدَّمْبَاري، متى تسلم هذه الجعالة، عاد إلى كوخه، وغاب فيه ما شاء الله له أن يغيب، ثم خرج حاملاً عصاه، تلك الطويلة المرصعة بقطع من القماش المهترئ وبعض الخرز والتمائم والسيور، وقام بأداء بعض الطقوس، ثم، ويا للغرابة، ما أن يتجمع الجراد في الأفق حتى يرفع عصاه، فإذا بأسراب الجراد تطير! ثم ينزل عصاه فتهبط الأسراب، ثم يلوِّح بعصاه شرقاً فيتجه الجراد نحو الشرق، أو غرباً فيتجه نحو الغرب، حتى إذا استعرض سيطرته عليه رفع عصاه وسار، والجراد غمامة من فوقه تتبعه، فيسوقه من مزارع القرية حتى يلاقي دَمْبَاريَّاً آخر يتسلمه منه ليتجه به إلى حيث يريد!"

انتقام دمباري:

يؤدي الدمباري هذه المهمة مقابل مبلغ من المال أو هبة عينية، ولكن ماذا يحدث إذا لم يلتزم الأهالي بدفع المقابل؟

"يقول عالم عباس: هذا الدَّمْبَاري لا يظهر إلا في مواسم الجراد، أما في غيرها فلن تجد له أثراً! يتنقل من قرية إلى قرية دون أن يُعرف له أصل أو فصل، أو من أين جاء، أو إلى أين يذهب. ليس له أهل ولا ولد، ويظهر، حين يظهر، فقط لأداء هذا الدور! لكن هل يحترمه الناس؟ لا، بل يحتقرونه، وهو يعرف ذلك، كما يعرف أيضاً أن الناس لا يستطيعون الاستغناء عنه، وإن أغضبوه أو امتنعوا عن تلبية طلباته، وهي تافهة في الغالب، فالويل لهم من غضبته، إذ سيسوق الجراد إلى مزارعهم فيصيبهم بالخسران المبين!"

شاهد عيان:

ويحكي شاهد عيان أنهم كانوا يؤدون صلاة الجمعة بمنطقة كورما بشمال دارفور، فاستمعوا لخطبة الإمام الذي كان يدعو الله أن يبعد عنهم الجراد. وبعد الصلاة قام أحد المصلين مخاطباً الحضور قائلا: "الدمباري جايب الجراد، لأنو طلب خمسة (5) جنيه وناس السوق رفضو يدوه"

فرد عليه إمام المسجد: هذا دجل وشعوذة.

   قال الرجل: وقبل خروج المصلين من المسجد، وصل الجراد إلى سوق كورما بشكل عمودي، ثم هبط بقوة، كان لا يفرق بين حمار وإنسان وشجرة، أو بين جِمال وطيور. أصحاب الدكاكين حاولوا قفل دكاكينهم، لكن الجراد وجد ضالته فقام بأكل الأقمشة وكل شيء.

كان منظراً مضحكاً  للغاية وأنت ترى هروب الجمال والحمير وهروب الكلاب.

   في نهاية الأمر دفعوا مبلغ الخمسة جنيهات للدمباري فغادر الجراد إلى الاتجاه الشمالي من المدينة بعد أن استلمه استلمه الدمباري ليسلمه إلى دمباري آخر.

ما بين الحقيقة والأسطورة:

قرّ في أذهان الأهالي أن الدمباري ليس سوى ساحر ومشعوذ، بما له من مقدرة على تصريف الجراد وفق ما يريد، ولكن للباحث شقف رأي آخر، إذ يقول:

 "إن الدمباري، بهذا، ليس ساحراً أو كاهناً ولا رب حيل، ولكن يبدو أن هناك سراً بحكم العلاقة بين الإنسان والحيوان، تكون الصلات عادية في بعض المرات، ومرات ينكشف السر، أو يرفع، فتنقلب العلاقة العادية إلى علاقة غيبية أو مجهولة الكنه والحقيقة."

 وقد سمى الباحث هذه العلاقة ب "الفكرة الغيبية"  وقال إن الأديان السماوية تُقرها.

مرجعية الدَّمْبَرَة:

ويواصل شقف: "ولعلنا نلتمس بعض المرجعية لهذه العلوم أو لهذه الأفكار والأسرار في القرآن الكريم، إذ يرجع القرآن الفكرة الغيبية أو العلوم التأديبية إلى أصولها الحسية أو المادية المعروفة بالتجربة العلمية scientific science . قال تعالى (يسألونك ماذا أحل لهم قل أحل لكم الطيبات وما علمتم من الجوارح مكلبين تعلمونهن مما علمكم الله فكلوا مما أمسكن عليكم واذكروا اسم الله إن الله سريع الحساب.) المائدة4. يؤكد القرآن الكريم علمية الفكرة الغيبية ثلاث مرات في آية واحدة، حيث تكرر لفظ العلم مرات ثلاث، بمعنى أن الخطاب الإنساني للحيوان خطاب مؤسس على علم وليس سحر أو كهانة.

ويضيف الباحث "أن الخطاب بين الإنسان والحيوان غير عادي ومن الصعب قيام صلات من التفاهم بين الجنسين، فالعلاقة بينها غير عادية، لكنها ذات مرجعية دينية بالقياس على تجربة موسى عليه السلام مع آل فرعون. قال تعالى (فأرسلنا عليهم الطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم آيات مفصلات فاستكبروا فكانوا قوماً مجرمين) الأعراف 133. فعندما بعث الله عليهم الجراد فأكلت عامة زروعهم وثمارهم ثم أكلت كل شيء، حتى الأبواب وسقوف البيوت والثياب ولم يدخل في بيوت بني إسرائيل منها شيء، ففزعوا إلى موسى عليه السلام ووعدوه التوبة، فكشف عنهم بعد سبعة أيام خرج موسى عليه السلام إلى الفضاء، فأشار بعصاه نحو المشرق والمغرب فرجع الجراد إلى النواحي التي جاء منها."

 

 

اشهر عازف اكورديون بالأبيض

عبد الله بدوي .. حاوي عروس الرمال

بقلم - نيازي ابو علي

(١)
..و الكتابة عن عمنا الموسيقار عبد الله بدوي، تحتاج لنوتة موسيقية، لتخرج الكلمات مدوزنة وجميلة، كجمال عزفه المتفرد على الة الاكورديون، التي جمل بها الأغنيات ووجدان اهل كردفان عقودا من الزمان.
منذ خمسينيات القرن الماضي، اصاب عمنا الأستاذ عبد الله بدوي، مس من سحر ود الحاوي، فتعلق قلبه بالة الاكورديون، وزاده الاستاذ ابراهيم يوسف عشقا، باحضاره لذات الالة الي منزلهم، ليداعبها بطلنا بعينيه وانامله الصغيرة وهو بعد صبي في اولي مراحلة الدراسية.
في المدرسة ، كان بدوي نجم جمعية الموسيقي، لم يعقده عدم وجود الة موسيقية بالمدرسة عن ممارسة نشاطهم الموسيقي والتفوق على الجمعيات الاخري، المهتمة بالرياضة والزراعة والعلوم.
يحكي عبد الله بدوي مفتخرا في مدرسة عاصمة كردفان نفذنا ملحمة هاشم صديق، في اداء كورالي بديع، ثم عدل في جلسته منشدا :
قسما قسما لن ننهار
طريق الثورة هدى الاحرار
والشارع ثار
وغضب الامه اتمدد نار
وهزمنا الليل
والعزة اخضرت للاحرار.
تبللت عيون عمنا عبد الله بالدموع، لذكريات حلوة، وثورة عظيمة.

(٢)
كادت ملحمة اكتوبر، ان تبعد عمنا عن حلمه وحبه لعزف الاكورديون، فقد اصبح بعدها فنان المدرسة والحي، ويرافقه في العزف خالد الفحيل علي الأكورديون وعوض عبدالقادر علي إيقاع وفيصل دبلوك هارمونيكا، وجميعهم من نجوم الابيض الذين يستحقون الاحتفاء والتوثيق، وكانت أغلب الاغنيات التي يرددها بدوي للفنانين حمد الريح وعبدالعظيم حركة وأبوعركي البخيت.

(٣)
في الصف الثالث متوسط، عاد عبد الله بدوي، لقصر الموسيقي، ملكا متوجا بالة اكورديون جلبها له الرشيد بكري صاحب محلات (عديلة وزين) للمناسبات ليتعلم عليها العزف في دار الكشافة وفولة فلاته.
ويذكر بدوي ان عازف الأكورديون الكبير أبوشوك زاره مرة وقدم لهم مقطوعات موسيقية ليتدربوا عليها وكان من بينها رائعة خليل فرح الخالدة (عازة في هواك) فكانت تلك البدايات لميلاد الموسيقي النجم عبد الله بدوي.
في الابيض الثانوية بنين انضم نجمنا لجمعية الموسيقي والمسرح التي كان يشرف عليها الأستاذ صلاح عبدالرحمن مسئول النشاط الثقافي، وسطع نجم بدوي العازف المجيد، وكانت المدرسة وقتها تزخر بالالات الموسيقية التي من بينها ثلاثة أكورديونات يعزف عليها الي جانبه كل من،
خالد متوكل وابراهيم سوركتي ودكتور خضر الأمين الذي يدين له بدوي بالكثير من الفضل فيما وصل إليه من شهرة ونجومية.

(٤)
يحكي عمنا عبد الله بدوي : انطلقت عازفا محترفا مع الفرق والفنانين الشباب والطلاب، في حفلات مدارس الأبيض الثانوية بنات والسيد علي الميرغني ومدرسة خورطقت).
انضم بدوي لشعبة الفن والإبداع بإتحاد شباب السودان أيام الرئيس الراحل نميري وواصل معها لفترة طويلة لتأتي بعدها الفرقة الأروع علي الإطلاق (فرقة الشباب) والتي جملت ليالي المدينة بالروائع وقدمت للسودان الحواتي الكبير وفنان الشباب الأول الراحل محمود عبدالعزيز رحمة الله عليه).
وأستمرت المسيرة واصبح نجمنا عبد الله بدوي قائد الأوركسترا لأغلب إحتفالات المدينة وللمدارس في رحلاتها خارج المدينة ومع الهجانة ام ريش بالقوات المسلحة في مهرجانات الجلالات كما عزف كبار الفنانين الدكتور عبد القادر سالم وعبدالرحمن عبدالله وعبدالعزيز أبو داؤود وعثمان الشفيع وصديق عباس وغيرهم من الفنانين.

(٥)
أستاذنا الخلوق المبدع عبدالله بدوي وبعد هذا المشوار الطويل نرفع لك القبعات شكراً وتقديراً لتلك المسيرة الطويلة وللسيرة العطرة التي لم تشبها شائبة وللأنامل الفنانة التي أبدعت وأطربت وأشجت وأمتعت.
عبدالله بدوي سلام ومحبة.

 

دخل البنك الدولي تجارة وشطارة ونبوغ

عبد الرحيم عبد الله .. بطنا جابتك والله ما بتندم

بطلنا اليوم، شاب في ربيع العمر، فاق أقرانه عطاء وعلما ونبوغ، اكتب عنه بفخر واعتزاز، فهو من جيلي أنا، اللذي هَدَمَ المحالاة العتيقة، كما قال ود المكي.

بقلم  - نيازي ابو علي

(١)
في صغره، تميز بالذكاء وحب الحساب بدأ يتلمس خطي مسيرته التعليمية بمرحلة الأساس في مدرسة الزعيم إسماعيل الأزهري الجنوبية سابقاً.. ليتحسس طريق الزعماء وكبار المناضلين باكراً ، والان في شبابه، قمرا من اقمار بلادي، التي تضي اقتصاد العالم، بنور الارقام، وكفاءة اقتصادية تحتاجها البلاد، لتفك ازماتها الموروثة، وتضعها في (تراك) التنمية والتطور المنشود.
بطلنا اليوم، هو الفتي الكردفاني الاصيل، فخر السودان، وكردفان، الذي يعمل في اعرق المؤسسات الاقتصادية العالمية، البنك الدولي الذي بكل تأكيد تشرف جدا ان عمل فيه عبد الرحيم عبد الله خليفة.

(٢)
في المدرسة، كان اساتذته، وعارفي ذكاءه الفطري، يدخرونه للطب، او الهندسة، ولكن لان الفتي كان يعرف طريقه، فجر مفاجاة لم تكن في حسبان اساتذته والمقربين منه، حين قرر الالتحاق بمدرسة الأبيض التجارية.
وبتفوقه المعهود، كان عبد الرحيم الأول على مستوى الولاية في المساق التجاري، ليدخل جامعة الخرطوم كلية الإقتصاد بشطارة وتجارة ونبوغ.

(٣)
في الجامعة، لمع نجمه، اكاديميا و سياسيا ، عرفته ساحات النشاط الطلابي، كقيادي سياسي مهموماً بقضايا الوطن، وعندما ‎انتزع طلاب جامعة الخرطوم اتحادهم في دورة٢٠٠٢/ ٢٠٠٣ العظيمة التي كانت اول اتحاد وطني ديمقراطية في فترة النظام البائد من محاسن الصدف التاريخية جمع ذلك الاتحاد اغلب رموز وقيادات العمل السياسى الأن من أبرز الأسماء محمدالحسن التعايشي الذي كان رئيسا للاتحاد و محمد الفكي والكاتبة الروائية استيلا وعدد من قيادات العمل العام الأن كان الخليفة في قلب تلك الكوكبة عضواً بالمكتب الاربعيني للاتحاد

(٤)
ولأن الابيض لم تنجب ابناء عاقين، فمثل الفدائي حين يمتحن، سارع عبد الرحيم، عقب تخرجه من جامعة الخرطوم والتحاقه بالعمل بمنظمة الامم المتحدة، سارع في رد جمايل المدينة عليه، فأجتهد جدا في ترجمة رائعة العميري، (زول ليهو قيمة) واقعا معاش، من خلال منظمة الأبيض الطوعية للتنمية والتعمير ومركز الفاتح النور الثقافي، ومشاريع رفع قدرات شباب المدينة، فكان عبد الرحيم، زي نضارة غصن طيب كل يوم يخضر عوده.

(٥)
دفع خليفة عجلة اقتصاد السودان، بكثير من الخطط والدراسات، والبحوث العلمية التي تهدف لتصويب واصلاح الحال في الاقتصاد السوداني، ابان فترة عمله ببنك السودان المركزي وعمله كسكرتير وقيادي في تجمع العاملين ببنك السودان إبان ثورة ديسمبر المجيدة ) ولا زال، عطاءه يتجدد كل يوم وحين، وهو الان يشرفنا فخرا واعتزاز بعمله بالخارج.
عبد الرحيم من طينة القادة الذين نأمل أن يكونوا لهم مكانا متقدما، في الجهاز التنفيذي للبلاد، في عصر النهضة والبناء والتأسيس لدولة مدنية حديثة ‎وهو الان يشرفنا فخرا واعتزازا (بالحاقه)بالبنك الدولي.
.(متعك الله بالصحة والعافية) يازول جميل.

 

 

 

الخرطوم - سلام ميديا

منصور الصويم: أحاجي وسينما
ستيلا قايتانو: مؤامرة الأقدار ومصائر الأرواح
أحمد مبارك: قلق الاستماع
سارة الجاك: جدتي مسرح
عثمان الشيخ خضر: بيئة مُحرِّضة
نجاة إدريس: سيماء القص في وجهي
أحمد أبو حازم: جيادٌ تركت صهيلها في العراء
شاذلي شقاق: ضفائر متدلية من علٍ

إعداد - الهادي علي راضي

أحاجي وسينما.
منصور الصويم
هناك علاقة وطيدة بين حكايات الطفولة الأولى وميلي للقص والسرد لاحقا، وأعني بحكايات الطفولة، أحاجي الجدات "الحبوبات"، فأنا حتى هذه اللحظة لا زلت أذكر تلك الأحاجي التي كانت تحكيها لنا بصورة مؤثرة جدا جدتي لأبي – حبوبتي - "زينب بت الفكي علي"، إذ كانت تمتلك قدرة مدهشة على الحكي الممزوج بالأداء الدرامي الممتع الذي يجعلك منجذبا منذ بداية الحكاية – الحجوة – وإلى نهايتها. أيضا، يمكنني القول إن السينما السماعية إبان الطفولة المبكرة جدا أسهمت بشكل كبير في حفز خيالي وميلي لتأليف القصص والحكايات والروايات لاحقا، والسينما السماعية التي أقصدها هي تلك المتعلقة بقص حكايات الأفلام بوساطة أصدقاء طفولة، أتيح لهم في ذلك الوقت المبكر حرية أكبر مما لدينا، بل كانوا يمتلكون حريتهم بالكامل جراء انتمائهم إلى الشارع أو من نسميهم "الشماسة"، هؤلاء الصغار المبدعين والأذكياء كانت لهم أيضا أساليب مدهشة في حكي وروي قصص الأفلام التي كانوا يشاهدونها في سينما المدينة نيالا أو أثناء سفراتهم – هروبهم – المتتالية إلى العاصمة الخرطوم. المتعة التي وجدتها في حكيهم للأفلام وأحداثها بموسيقاها وحركتها وضحكها وحزنها وأصوات رصاصها وقطاراتها، لم تتوفر لي قط بعد ذلك حتى وأنا أشاهد تلك الأفلام ذاتها في زمن آخر، إذ وجدتها أقل متعة بكثير مما كان يرويه هؤلاء الصغار ويثرونه بخيالهم المدهش.
إذن يا صديقي، السينما، حب الدراما، وسماع الحكايات والأحاجي المروية هي أولى محفزات ميلي إلى القص والرواية والسرد عموما. كنت أحلم بأن أكون ممثلا أو مخرجا، وبالطبع كنت أؤلف "براري" خيالي أفلامي الخاصة وأخرجها وأودي أدوارها جميعها.. من هنا كانت البداية، وحين اكتشفت الورق بدأت الكتابة واللعب بين الفواصل الدقيقة جدا ما بين القص والمسرح والسينما والروي.
....
مؤامرة الأقدار ومصائر الأرواح
ستيلا قايتانو.
يتخيل الي انني لم أصبح قاصة بمحض الصدفة ..في الغالب اشعر ان مؤامرة الأقدار ومصائر بعض الارواح وشقاء الانسانية اختارتني لاحكي حكاياتهم التي تهيم بشكل ما في الكون ..
لطالما كنت طفلة تجيد التنصت لحكي الكبار و تهتم بتفاصيل الاشياء والتي تتناسل داخلي الى حوارات لا تنتهي بين انسان وانسان
انسان وكائن ..كائن وكائن اخر والإنسان والأشياء ..حوارات تبحث عن معاني ما ..
كثرة التنصت قادني إلى كثرة التحدث سرا وجهرا واحيانا صمتا ...
الى ان صادفت الورقة والقلم فهما مثلي ممتلئات بالحروف والجمل التي تضج بالحياة السرية للأشياء رغم ما يعتمل داخلها من ضجيج.
....
قلق الاستماع.
أحمد مبارك.
اللُّغةُ؛ تلك الحَشَرَةُ المُتَوحِّشَةُ؛ النَّامُوْسَةُ التي اخْتَبَأتْ في رأسِ النَّمْروْدِ العظيم؛ كانَ ثَمَنُ خُروجها من جُمجُمَتهِ الكَبيرةِ فادحاً للغاية، ومأساوياً بدرجةٍ لا تُحْتَمَل. لَقَد أوْعَزَ إليهِ شيطانهُ الجَميل بتهشيمِ الجُمجُمة - في روايةٍ تَخُصُّني ـ إن كان فعلاً يريدُ إسْكات طنينها الفاجِر. في النِّهاية: كان مَشهَدُ النّمرود مثيراً للضّحِكِ والشَّفَقَةِ في آن؛ فلقد جَلَسَ على العرشِ ـ بلا رأسٍ في الحقيقة ـ يُفَكِّرُ بالجمجمةِ الذَّهَبيِّةِ التي أعدَّها الشيطانُ في خياله. وفي لحظةٍ أرادَ النمرود التَّحَقُّقُ من تَمَوْضُعِ تَاجِهِ المَلَكيِّ على الجمجمةِ السعيدة: فأُصيبت يَدُهُ بالجِّنوْن…

لا يُمْكِنُ تَصَوُّر الحَالة الهستيريَّة حينما ينبري العَالَمُ ضرباً بأخفافهِ المُهترئةِ على جمجمته التي تَطُنُّ فيها ناموسَةُ اللّغة السَّجينة. وإذن.. لا بُدَّ أن خَيَالَ العَالَمِ سَيَتَفتَّقُ عن فكرة، أن يَشُقَّ فَرجاً في جمجمتهِ لانولادِ الناموسة المبجَّلة. وهذا الفَرجُ الذي سَيُشَقُّ؛ هو الحِيْلَةُ الذَّكيَّةُ والخَلاقة، الثَّقْبَةُ الفَنيَّةُ المُراوِغة، السَّهْمُ الذي تُطْلقه البَصِيْرةُ من كنانةِ الضّوءِ مُبَاشَرَةً في العينِ السّليْمةِ للظُّلمةِ المُطْلَقَة؛ بل هو الجَمَالُ الذي يضيقُ به سُروال العِبَارة…!

وعِنْدَما كان الإنسانُ وحيداً يُحاصِره فراغُ العالم؛ بنى طبلاً عملاقاً وطَفَقَ يَضرِبُ حتى انسَلَّت أرتالُ البَشَريَّةُ من شتى بقاعهِ القَصيَّة… فلقد عنيتُ بذلك مسألة التَّوق الكشفي، الفطري، للما حَوْل.. لكن سُرعان ما تَحَوَّرتِ الغايةُ من الطَّبلِ إلى شيءٍ آخر لم يكن في الحسبان. استجابَ الجَسَدُ للسِّحرِ القمينِ المبثوثِ من جوفِ الطَّبلِ؛ فكانت الرَّقصَة الكونيَّة الأولى. ولأنَّ بيضةَ الكتابة لم تُفقَس بعد؛ فَكَّر الإنسانُ لتخليدِ الرَّقصَة وليدة الغريزة فأنشأ النَّقشَ والجداريّات حتّى أن أصابعه تآكلت قبل أن يكتشف الكتابة على الكي بورد.

دعني أصِفُ لَكَ ما الذي ستراه عينايَ حينما أُغمِضهما وأنبَتُّ من الحاضِر على سبيل التَّجاهُل؛ إنَّهُما تَرَيان الجمالَ يا سيِّدي في عيون أطفال أفريقيا المُقَرفِصون على الرَّملِ؛ على نَحوٍ يُحاكي أستدارة القَمَرِ بهالتِهِ المُنيرة. ولكن من يا تُرى من باستطاعته أن يكونَ حادياً للرَّكبِ سوى الجَدَّة.. هي وحدها من تُشبِع نهم الأطفال الذين يستبقون الحكاية بالتآويل الفضوليَّة والمُربِكَةِ أحياناً.. وقَد كُنتُ حينها كثير السؤال بدعوى مَنْطَقَة بعض التفاصيل كثيرة المبالَغَة (وهُنا تحديداً وَدَدتُ لو استعير رمزاً ضاحِكاً بأدمُعِهِ من الواتسَب)

لاحِقَاً، ليس جدَّاً؛ أدركتُ أن الذي كان يحُول بيني وكتابَة ما أُسمِّيه قِصَّتي هو أن أتعلَّمَ كيفَ يُخَطُّ الحَرف!

الكتابَةُ قَلَقٌ يُضاهي قلق الاستماع الذي كان يَعتَوِرَني عندما تحكي لنا جدتي عن الغول أو ما يُماثله في ثقافة شُعوب أفريقيا السوداء وخصوصاً الهوسا؛ حيثُ أنَّ الشَّفاهَةَ صُندوق ثقافتها الذي لا يعرف السبيل إلى أن يَنضُب.
وهذا الجِذرُ المعرفيُّ، الغائِصُ عميقاً في تُربة التَّجريبِ والحِيَلِ المُغلّفةِ بالمجازِ والكنايات؛ سَهَّلَ المثولَ بين أصابعِ الاشتهاء، بكبسةِ زر، داخل الفضاءِ الكونيِّ مفتوح النِّهاية… ولطالما سيظل هذا الكائن يتأبطُّ ذلك الكيس المُسمّى بـ(القريحة)؛ سيمتلئُ رداء العالم بالفراشات التي ستحلِّق من جنائنِ الحُلمِ؛ لتخترقَ أغشية الواقع الرَّهيفة.. وتندلقُ اللغةُ خضراء على اليَبَاسِ المُمْتَدِّ...
...
جدّتي مسرح.
سارة الجاك.
حفيدة أولى لجد حافظ قرآن، وجدة تحول الحياة
لمسرح كبير، وأم حكيمة قليلة الكلام تحب الكتب، وأب يصنع النكتة من العدم، نشأت بينهم فتشربت كل هذه المعرفة في وقت باكر، لأنشأ طفلة ثرثارة كثيرة الأسئلة وتحب الرسم، أصنع عوالم وشخوص على أوراقي و ألونها، أخلق حوراتها كما يحلو لي، أحببت كتابة التعبير وبرعت في كتابته، كنت أطوف على بساتين اللغة فأختار من الثمار أنضجها، ومن الزهرات ذات الأريج، أقطفهن أحتفظ بهن ثم أنظمهن بخيط من عصب الحكايات المؤنسة كخرّازة ماهرة، أصبر على نظم ثمر الكلام، ثمرة فخرزة وهكذا، أبتسم لي و أعدني بتحفة فنية قادمة، فتتحول ساعات الصبر والتخريز الي ساعات من المتعة وخلق توقعات مختلفة ، لكل شكل من أ شكال النظم، وقد أفلت خيط العصب وأرمي ثمراتي وخرزاتي ولا أبالي، هكذا وجدتني أكتب الحكاية، لكن كتابة القصة رغم أنها أتت لاحقة ، إلا أنها كانت من الأهمية بمكان فأصبحت القصة ذات موضوع، والتزمت بتقنيات القصة الكلاسيكية، صببت حكاياتي في قالبها لوقت ليس بالقصير، حتي وجدت بصمتي الخاصة، فسما نجمها وكسرت القالب، لكتابة القصة متعة خاصة لا توجد في كتابة الرواية ولا في الكتابة للمسرح ، القصة تحدي قصر العبارة وعمق دلالتها وجميل عرضها، أكتب لمتعتي الخاصة ، أحبر قلمي في صدق تعبيره فأنجو بقصتي من عثراتها وأمضي.
...
بيئة مُحرِّضة.
عثمان الشيخ خضر.
يقول صديقي الحبيب حفيظ الحاج:

(أنا من بِلادٍ الجميعُ فيها يحفظُ سورةَ يُوسف دون غيرها من السور، لا لسببٍ واضح غير أنها تحمل في طيّاتها تفاصيلَ حكاية.
فُطِروا_ وإن شئت _قُل: فُطِموا على محبةِ الحكي والتورّطِ في الونَس.
ثم ماذا تتوقع من أحدٍ نشأ في بئيةٍ كل ما حوله فيها يُحرّض على فعل القَص غير أن يكون كاتبًا أو حكّاء؟!).

منذ نشأتي الأولى في قريتي الصغيرة ( قريش بمدنية شندي) كان كل شيء حولي كما قال -حفيظ- يحرّضني على فِعل الحكي.
مشهد الأغنام التي تمر من أمام داري وأنا اتبعها إلى حيث مهبطها في المروج الخضراء - أصوات الجدّات وهنّ يقمن بصياغة تفاصيل اليوم بل وتفاصيل الحياة كلها - إبتسامة أمي وهي تعوس الكسرة لتُشبع أفواهنا الجائعة وهي تقاسي سخونة النار - تقطيبة جبين أبي وهو داخلٌ لتوّه بعد يومٍ مرهق وأعيننا تتفحّص يديه - الليالي المقمرة المحفزة على جموح الخيال واختراع الحكايات.

نمتْ فيّ حاسة القص، وأصابتني لعنة الحكي والتورّط في السرد منذ تلك الأيام. ثم أعقبها قراءات لكتّاب أشعلوا جذوة الكتابة وحرّضوني على فعل الحكي، أذكر منهم أستاذي أحمد أبو حازم والقاص العراقي ضياء جبيلي وبالطبع العظيم ماريوس برغاس يوسا وغيرهم.
ولعل القصة القصيرة دون غيرها من فنون الكتابة ظلّت تغريني بالتجريب في فضاءاتها. جعلتني انتصر للناس العاديين المسحوقين في دوامة الحياة اليومية عبر تحويلهم إلى أبطال. كما وأنها خلقت لي أكثر من حياة فتارة اصير قطّة لعينة وتارة دخان سجائر وتارة أخرى ظلّ وفي مرات كثيرة قاتل.
...
سيماء القص في وجهي.
نجاة إدريس.
منذ طفولتي كانت تظهر عليّ سيماء القص.. كنت وإخوتي نبتدر رواية نؤلفها ونمثلها عفو الخاطر ...وكان موضوع الرواية يتجدد يوميا ويتعمق بعمق ادراكنا وفهمنا للأشياء. وبازدياد أفقنا وقراءاتنا ..ومع الأيام تحولت موهبتي الحكائية صرت أكتب وأسجل القصص التي أراها حولي ..أحيانا كنت أمارس فضيلة الحكي لصديقاتي اللائي كن يؤكدن لي بأن قصصي تبهرهم ..كنت أتقمص الشخصيات وأضيف عليها من خيالي ..وصارت الكتابة طقسا محببا لي ..تشعرني بالحميمية وبالعري أحيانا، وتنفس عني كثيرا، كنت أتقمص أدوار الجدة ، الأم 'الزوج 'المشردين وأحكي بلسانهم وأسجل آلامهم ومعاناتهم. وهكذا وجدت نفسي قاصة. والقص عند اللغويين من قص يقص حيث يكون قص الأثر وتقصيه وهكذا تكون القصة من تتبع الحكي جملة فجملة بصورة متواترة حتى تبلغ القصة ذروته. بعد تقصيه الحافر حذو الحافر.
...
جياد تركت صهيلها في العراء.*
أحمد أبو حازم.
العالم يغوص بالحكايات الغريبة والعجيبة منذ وجوده البعيد، والذاكرة البشرية محض مستودع بالغ الاتساع، لالتهام الحكاية من مستهلها وحتى اخمص نقطتها اللامرئية.
ولدت في مكان، كان الناس فيه لا يجدون موضعا لمهاد أطفالهم، سوى تنكبهم شق عنان الحكايات المتزاحمة ليضعوهم هناك، في جوفها المحتشد بالامل، والألم، والاندهاش، والتوقع، والضحك والبكاء والحلم والهذيان، والشك، والريبات المستعصية، والحنين، والعاطفة، والحب، والكراهية، والحياة، والموت.
حين شقوا بي مواكب الحكايات ليودعوا مهدي على أحد المواضوع هناك بين زمرة الاطفال كنت أصرخ بشدة، وما ان وضع المهد بين أساطير أمي عن حياتها البدوية في بوادي كرفان وبين تهويمات ابي وتهويلاته عن نسل اسلافه الخرافي انقطع صراخي وطفقت اتسلى بقصصهما الشيقة مثلي ممثل اي طفل مقذوف لترف الحكاية يسلب السرد صراخه وتهدهده أطراف القصص المتدفقة مثل الحرير على منامة سردية مشغولة باساطير وحكايات عجيبة وغريبة.
كان الاطفال في البيوت الاخرى ينتظرون هدايا ذويهم الموسمية، بنزق باهظ لتلبية نزواتهم الصغيرة، أما في دارنا فكنا ننتظر هدايانا اليومية مثل ان تفتح أمي صندوق ذاكرتها لتستل لنا بعض قصص أسطورية من بادية كرفان الجنوبية وكيف أنها صارعت الجينات اللائ حاولن سرقة اغنامها تحت حافة الجبل، وعن الجنية العجوز التي ساعدتها لعبور وادي البطحة الهادر، وعن الحمامة التي باعت هديلها للغراب.. وعن وعن .
في المساء يأتي ابي محملا بالحكايات الغريبة فيشملنا بقصصه الساخرة عن اجداده الخرافيين وكيف جاءوا من اندلسهم البعيد الي بادية كرفان الجنوبية، فصارعوا الوحوش وصرعوها ، ثم يدلف بنا بسخريته المعهودة ليقص علينا ما جادت به القريحة من الحكاية.
تشربت القصص منذ الصغر، فما بين أساطير أمي وأبي توجد مكتبة ثرة، فأينما وليت وجهك فثمة كتاب، فكانت القراءة ديدن هذا المكان.

بادئ ذى بدأ كنت اتهيب دخول المكتبة التي تقع بشكل طولي في الرواق الشمالي من الدار ذات الطراز الانحليزي. اعبر من أمامها متجاوزا الرواق بسرعة فائقة لاجد نفسي خارج الاسلاك الشائكة المحاطة بأشجار سامقة من كل صنف، حيث تنتظرني صديقتي الاستوائية الابنوسية الجميلة (فوني) ( البارياوية) نمضي وقتا في ملاحقة الفراشات، وقطف ثمار الزونية، ثم حين يدركنا التعب نركن إلي ظلال أشجار المانجو المنتشرة في المكان مكونة دغل جمالي بديع، هنا حيث نتسلى بمراقبة أفراد قبيلة (المنداري) باجسادهم الفارعة، واوشامهم الجميلة التي تتماهى مع عقود الخرز الذي يتوشحون به، فيبدو الواحد منهم أشبه بلوحة جمالية متحركة.
حين ذاك كنت في الصف الثالث الابتدائي، كنا نستمتع بالمكتبة المدرسية العامرة، أكثر ما كان يجذبني فيها تلك الكتيبات الانيقة ذات الورق الثقيل والرسومات البديعة من لدن كتاب الساحر والجنية، وقصص خيالية أخرى كنت اصدق ما تحمله بين صفحاتها، لذلك كنت شديد التوقع بأن الساحر أو الجنية أو كلاهما معا سيخرجان من بين طيات الكتاب عندها سيكون مصيري حالك الاظلام، حتى جاء ذلك اليوم الذي بأغتني فيه والدي وانا ازمع الخروج للهو اليومي مع صديقتي فوني، وسحبني الي داخل المكتبة، كنت مرعوبا، وخائفا،.
ورويدا رويدا امتلكت جاشي.. هناك تعرفت على عالم جديد ، عالم القراءة والاطلاع.
كان السيد والدي لا يدخل فضاء مكتبته إلا وهو في كامل اناقته وزينته المفرطة يرفل بهدوء بطوله الفارغ ووسامته العجيبة بينا غليونه الابنوسي المُذهَّب لا يفارقه.. حينذاك كنت اقلده في كل حركاته وسكناته، وبدأت كتابة مذكرات يومية سمجة وسطحية وغالبا ما كنت امزق ما كتبت.. حتى كتبت ذات مرة عن حمامات غادرها هديلها وجياد تركت صهيلها في العراء وعندما عادت مرة أخرى لم تجده وعن ارجل تسوق أصحابها الي أماكن لا يرغبون الذهاب إليها..
قرأ والدي تلك الترهات واحتفظ بها في جيب سترته ويوم الجمعية الأدبية في مدرسة البلك الابتدائية بجوبا كان الوالد حضورا بين الاساتذة.. وحين قرأ اسمي للمشاركة في الجمعية الأدبية ترددت لأني لم اقدم اية مساهمة للاشتراك في ذاك اليوم الا ان إشارة من والدي عبر غليونه حين كل شئ وصعدت المسرح وكانت المفاجأة أن ناولني الأستاذ تلك الورقة ذات الترهات البليدة، وحين أكملت القراءة دوى المكان بالتصفيق وانهمرت الهدايا.
*هذه الافادة لم تكتمل بعد.
...
ضفائر متدلية من علٍ.
شاذلي شقاق.
في يوم ما، ﻻمست الضفيرة المتدلية من عل؛ ضفيرة جدتي (آمنة بت سلمان )، وأنا على حجرها، ﻻمست صحن أذني فاقشعر بدني وأنا أتلقف حكاياها ..وأثناء نومي نبتت شامة (استفهام ) في مخيلتي البضة ..طفقت في اليوم التالي أسأل جدتي: هي فاطنة القصب اللحمر مالها؟
والغول طرق صوتو عند الحداد؟
وهكذا بدأت تكبر الشامة اﻻستفهام وأنا ألقمها بوقود القراءة والتجاريب الحياتية!

 

د. عباس التجاني

النصف الأكبر من المقاعد احتلها النساء، متوشحات بألوان زاهية لموديلات من الثوب السوداني العتيق، جلست امرأة ترتدي "البرقع" في المقعد الذي يقع خلف السائق تجاه النافذة اليسرى، تفحصت المقاعد الحولي، فإذا بامرأة لم تتجاوز العقد الخامس، تجلس على مقعد من اقتراح السائق الطامع وضعه على الماكينة. تململت المرأة على المقعد الإسفنج من الحرارة المنبعثة بعفوية من الماكينة المهترئة، تصدر أصوات تنبئ بصعوبة الوصول الى أم القرى، لم تبارح الحافلة المحطة العامة حتى توقفت نتيجة الاحتقان المروري،

عن سلاميديا

هذا الموقع الالكتروني تعود ملكيته الي مؤسسة سلاميديا، يعرض هذا الموقع الاخباري محتوي باللغتين العربية والانجليزية. انه موقع اخباري محايد وغير منحاز الي اي طرف او جهة، يقدم خدماته لجميع السودانين والمهتمين بالشأن السوداني من سكان العالم بالقضايا ذات الطابع المحلي، الاقليمي والدولي.

تابعنا علي

All Rights Reserved © 2020 Salaam Media - Powered by Moon Media