حادثة ترسين بين التضارب والتضليل

حادثة ترسين بين التضارب والتضليل

سلاميديا: كمبالا

نشر موقع دارفور 24، خبرا في الأول من سبتمبر 2025م حول حادثة الانزلاق الأرضي بقرية ترسين، محلية جبل مرة، بولاية وسط دارفور؛ وذكر الموقع وفاة حوالى الــ 1,000 شخصاً بالمنطقة جراء الانزلاق ونجاة فرداً واحداً.

تم تداول الخبر بصورة مكثفة، مصاحبا بتضارب في أرقام الضحايا، مما دفع فريق التحقق بـ (سلاميديا) الى البحث عن حقيقة المعلومات المتداولة حول الحادثة وملابساتها. وعليه، قام الفريق بفحص الصور، والفيديوهات المنشورة باستخدام أدوات البحث العكسي من  fake image detector  و FotoForensics وغوغل برو للخرائط (Google Pro).

عمل الفريق على رصد المعلومات المتعلقة بالحادثة ابتداء من الأول من سبتمبر وحتى السابع منه، إذ ضجت العديد من منصات التواصل الاجتماعي، من بينها بعض الجهات الرسمية مثل  حركة تحرير السودان ــ جناح عبد الواحد محمد نور، التي نشرت بيانا  في الاول من سبتمبر عند الساعة 9:21 مساء. واوضح البيان ان جميع سكان القرية لقوا حتفهم عدا شخصا واحدا، وذكر البيان “تفيد المعلومات الأولية عن موت جميع سكان القرية، ويقدر عددهم بأكثر من ألف شخصا ولم ينجو من بينهم الا شخصا واحدا فقط”، فيما اكد المنسق المقيم لمكتب الأمم المتحدة للشؤون الانسانية بالسودان OCHA، لوكا رندا، في الثاني من سبتمبر، أن ما بين 300 الى 1000 شخص لقوا حتفهم جراء الانزلاق الأرضي في قرية ترسين بتاريخ 31 أغسطس. من جانب آخر نشرت وكالة السودان للأنباء (سونا) بذات تاريخ الثاني سبتمبر في الساعة 11:53 صباحا، منشورا لرئيس الوزراء، الدكتور/ كامل ادريس، نعى فيه ضحايا الحادثة. وذكرت سونا في منشورها ان اعداد الضحايا بلغ المئات، قبل ان تقوم وزارة الصحة الاتحادية، بنشر معلومات متناقضة عن ما ذهب إليه رئيس الوزراء في منشور النعي، إذ نشرت على صفحتها الرسمية والموثقة على الفيسبوك في الرابع من سبتمبر 2025م في الساعة 9:20 مساء، ان شخصين لقيا حتفهم مع عددا كبيرا من الماشية لم يتم حصرها بعد.

وكذلك رصد فريق التحقق بــ (سلاميديا) انخراط بعض الحسابات غير الرسمية في تعليل مسببات الحادثة، وفق ما جاء على حساب، فوزي حسن ، المقرب من دوائر صنع القرار بحركة تحرير السودان – جناح مناوي، حيث عزا الانزلاق الارضي لأسباب تتعلق بخطة لافراغ جبل مرة من السكان. ولاحقا قام فوزي بحذف المنشور من على صفحته، الا ان فريق التحقق تمكن من التقاط صورة شاشة للمنشور قبل حذفه.

وفي ذات السياق، ذكر القيادي بحركة العدل والمساواة – جناح جبريل إبراهيم، ادريس لقمة، في منشور على صفحته بالفيسبوك، في الثاني من سبتمبر في الساعة 12:34 صباحا، أن هنالك معلومات تشير إلى أعمال تفجيرات للجبال تقوم بها قوات الدعم السريع وشركات اماراتية عاملة في مجال التنقيب عن الذهب والنحاس في المنطقة، دون أن يبين المصدر الذي تلقى منه على تلك المعلومات.

كما نشرت منصة سودان بلس بتاريخ الثاني من سبتمبر  2025م في الساعة 10:36 مساء، مقطع فيديو لمواطن تحدث بلغة الفور – تمت ترجمته – ادعى انه من منطقة جبل مرة، ذكر في حديثة أن عدد الضحايا ليس بذلك الحجم، قائلا “عدد الموتى اثنين فقط”، متهماً جهات ـــ لم يسمها ـــ  أن يكون لديها دوافع سياسية ومن مصلحتها إفراغ المنطقة من السكان. لم  تسفر عملية البحث العكسي عن توضيح الموقع الجغرافي حيث تم تصوير مقطع الفيديو؛ الا انه وبالنظر إلى خلفية الصور الثابتة المأخوذة من الفيديو، والتي تُظهر مسطحا مائيا يبدو كنهر أو واد وخلفية جبلية خضراء، ومقارنتها بصور من موقع الحادثة؛ تظهر جميعها تضاريس مشابهة لمنطقة جبل مرة. فجبل مرة معروف بكونه منطقة جبلية بركانية غنية بالمياه والغطاء النباتي، وتكثر فيه الوديان والأنهار الموسمية والشلالات، وهو ما يتوافق مع المشهد الظاهر في خلفية الصور الثابتة المأخوذة من الفيديو.

وعلى النقيض من ذلك، ذكر الناطق الرسمي باسم منسقية اللاجئين والنازحين، آدم رجال ، عبر الصفحة الرسمية للمنسقية على الفيسبوك، في الثاني من سبتمبر في الساعة 10:26 صباحا، إن عدد ضحايا الحادثة يفوق الألف شخص؛ مستشهدا بحادثة مماثلة بقرية تربا في العام 2018م اودت بحياة العديدين. وناشد آدم رجال المنظمات والهيئات الأممية إلى التدخل وتقديم الدعم إلى المتضررين.

وبعد كثرة اللغط حول تداعيات الحادثة، رصد فريق التحقق مقطع فيديو للاستاذ، مجيب الرحمن الغالي، رئيس السلطة المدنية بمناطق سيطرة حركة تحرير السودان ــ جناح عبد الواحد نور، على صفحة الناطق الرسمي باسم الحركة، في الرابع من سبتمبر في الساعة 11:52 مساء، كانما اراد به توضيح ان عدد الضحايا فاق الـ 1,000 شخصاً، وقال “تم انتشال 370 جثة وقُبرت في مقبرة جماعية”.

بعد تحليل صورة ثابتة ملتقطة من مقطع الفيديو ومقارنتها بالتضاريس باستخدام موقع غوغل ارث برو للخرائط (Google Earth Pro) ، يتضح أنها على الأرجح من منطقة جبل مرة؛ نسبة لطبيعة التضاريس الجبلية والمنحدرات المتطابقة مع الوصف الجغرافي لمنطقة جبل مرة.

وكذلك قام الفريق بفحص عدد من الصور المنشورة حول الحادثة للتحقق من مصداقيتها باستخدام اداتيfake image detector  و FotoForensics ونتج الاتي:

الصورة الاولى

مصدر الصورة صفحة الناطق الرسمي لحركة تحرير السودان
  • التفاصيل الموجودة مثل الاشخاص، الملابس المتنوعة، التضاريس الطبيعية، الأشجار، التلال، الغيوم كلها تحمل علامات واقعية مأخوذة من كاميرا.
  • لا تظهر عليها مؤشرات شائعة لصورة معمولة بالذكاء الاصطناعي مثل: التشوه في الوجوه، الأيادي، التكرار غير الطبيعي للعناصر، أو الإضاءة غير المتناسقة.
  • توزيع الأشخاص في المشهد والخلفية الجغرافية متسق مع صور حقيقية التقطت في الهواء الطلق.
  • الصورة حقيقية وجزء منها مأخوذ من فيديوهات تم نشرها على مواقع التواصل الاجتماعي

النتيجة العامة للتحليل: يرجّح أن تكون الصورة أصلية، بمستوى ثقة 66%، نسبة احتمالية تلاعب 20% ومستوى خطأ 14%؛ حيث يعتمد مستوى الخطأ على إعادة حفظ الصورة بجودة محددة ثم مقارنتها مع النسخة الأصلية. المناطق التي تُظهر مستويات خطأ مرتفعة تكون أكثر سطوعا في الخريطة الحرارية وقد تشير إلى وجود تعديل أو معالجة، خاصة إذا ظهرت هذه الاختلافات في أماكن معينة أو شكلت أنماطًا واضحة. أما في حال توزعت القيم بشكل متجانس عبر بقية الصورة فهذا يدعم فرضية أن الصور لم تتعرض للتلاعب.

الخلاصة
 تشير نتائج الفحص إلى أن الصورة محل التحليل أقرب لأن تكون حقيقية، مع احتمال ضعيف لوجود تعديلات بسيطة لا تؤثر على مصداقيتها.

مصدر الصورة صفحة الناطق الرسمي لحركة تحرير السودان

الصورة الثانية

مؤشرات التحليل الفني:

هي تقنية تُستخدم لتحليل الصور واكتشاف التعديل أو التلاعب بها؛ حيث ان كل جزء في الصورة المضغوطة (JPEG ) يكون له مستوى خطأ أو فقدان بيانات (تجانس الالوان). إذا وُجدت مناطق بالصورة بمستوى خطأ مختلف عن بقية الصورة فهذا قد يشير إلى إدخال عناصر أو تعديل في تلك المنطقة ولايعني ذلك بالضرورة ان الصورة غير حقيقه، بل يعطي مؤشرا يستلزم مراجعة إضافية.

الاستنتاج:

بغض النظر عن نتيجة التحقيق الفني التي أظهرت احتمالية التلاعب، إلا أن الصورة متطابقة مع مقاطع فيديو حقيقية صُوّر في المنطقة نفسها، ما يعزز صحتها من الناحية السياقية. ويُرجّح أن توصيف الصورة بـ (المفبركة) يعود إلى إعادة مشاركتها المتكررة وتداولها على بعض منصات التواصل الاجتماعي خارج سياقها، وليس بالضرورة تزوير رقمي مباشر.

مصدر الصورة صفحة الناطق الرسمي لحركة تحرير السودان

الصورة الثالثة

تقرير تحليلي حول مصداقية الصورة

أظهر الفحص الرقمي للصورة محل التحقيق نتيجة تفيد بأنها على الأرجح حقيقية لم تخضع لتعديلات جوهرية، بنسبة ثقة بلغت 60%، فيما لم تتجاوز احتمالية التلاعب الكلية 25% ونسبة خطأ 15% وهو ما يعزز من مصداقيتها.

وبالرغم من تأكيد وقوع حادثة الانزلاق الارضي، ووقوع ضحايا جراء هذا الانزلاق، الا ان تضارب المعلومات حول ارقام الضحايا يشير الى حجم التضليل الذي تم ممارسته عند تناول الحادثة، والذي قد يؤثر بشكل مباشر على الاستجابة الانسانية للضحايا والمحتاجين في المنطقة؛ فضلا عن احتمالية تأثر عمليات الاستجابة مستقبلا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *