سلاميديا

سلاميديا
تقرير:زمزم خاطر
منذ اندلاع الحرب في السودان في أبريل 2023م، يعيش شباب إقليم دارفور واحدة من أصعب المراحل في تاريخهم الحديث؛ إذ لم تسلم حياتهم من التعرض للانتهاكات التي طالت التعليم والصحة والاقتصاد والتماسك الاجتماعي، حتى باتت أحلامهم معلقة بين النزوح واللجوء، والبحث عن بصيص أمل عن مستقبل أفضل.
هذا التقرير يسلط الضوء على أصوات شبابية من دارفور، تروي قصصاً عن النزوح والفقدان، والتحديات اليومية التي يواجهها الجيل الأكثر تضرراً من الحرب.
فقدان الدخل
قال التاجر بسوق محلية كتم ــــ ولاية شمال دارفور، ان الحرب أضرت بالتجارة في المنطقة، وبالتالي فقد الشباب سبل كسب العيش ما اضطرهم لمغادرة المنطقة؛ وقال “جزء كبير من التجار الشباب إضطر للنزوح واللجوء لدول الجوار لأنه لم يتبق شيء لفعله، والوضع الأمني كذلك مضطرب بالإضافة للإبتزاز وفرض الرسوم غير القانونية بواسطة المسلحين والإختطاف مقابل فدية”.
وذكر ان الشباب أصبحوا أدوات للخراب ـــــ سواء برغبتهم أو العكس ــــــ بدلاً من ان يكونوا وقوداً للتنمية والعمل على رفع الإقتصاد.
ومن جانبه، أوضح عبدالباقي محمد حامد، مدير عام الرعاية الاجتماعية ومنسق الشؤون الإنسانية بحكومة إقليم دارفور، 90% من شباب دارفور يواجهون صعوبة في الحصول على فرص عمل نتيجة التدهور الاقتصادي الواسع، الأمر الذي أسفر عن ارتفاع معدلات الفقر والبطالة.
وأكد حامد أن الشباب بحاجة ماسة إلى دعم نفسي واجتماعي للتخفيف من آثار الحرب، إلى جانب توفير فرص التعليم والتدريب المهني، وتحسين الوصول إلى الرعاية الصحية والخدمات الأساسية، فضلاً عن تقديم دعم اقتصادي ومالي يسهم في تعزيز التنمية بالإقليم.
جيل مهدد بالضياع
أدت الحرب إلى انهيار العملية التعليمية بولايات دارفور، حيث انعكس تدهور الأوضاع الأمنية والاقتصادية على جميع عناصر التعليم الأساسية.
وقال الطالب حافظ عبد الرحمن آدم، 22 عاماً من مدينة الضعين بولاية شرق دارفور؛ وهو أحد الطلاب الذين لم يجلسوا لإمتحانات الشهادة الثانوية السودانية المؤجلة للعام 2023م، قال إنهم كانوا على استعداد لأداء الامتحانات قبل أن تندلع الحرب وتغلق المدارس، مما أدى إلى فقدان عام دراسي كامل.
وأضاف: “انتظرنا تحسّن الأوضاع، لكن الأزمة تفاقمت خاصة في إقليم دارفور”، موضحًا أن وزارة التربية أعلنت في 2024م عن إمكانية الجلوس للامتحانات في الولايات الآمنة، غير أن تكاليف السفر الباهظة حالت دون ذلك.
وأشار حافظ إلى أن العقبة الأكبر التي تواجه طلاب مدينة الضعين، هي الاشتباه في انتمائهم لما يسمى بالحواضن الاجتماعية لقوات الدعم السريع لمجرد أنهم من المنطقة؛ لذلك تم اعتقال عدد من الطلاب أثناء سفرهم لأداء الامتحانات بتهم تتعلق بالتعاون مع الدعم السريع.
ويخشى حافظ، الذي تجاوز عمره سن الالتحاق بالجامعة، أن يضيع حلمه في مواصلة التعليم الجامعي، مطالبًا الجهات المختصة بإيجاد حلول عاجلة لإنقاذ مستقبل الطلاب في مناطق النزاع.
وأوضح المعلم بوزارة التربية والتعليم بولاية جنوب دارفور، محجوب عبد الرحمن محمد، أن المعلم يظل المحور الرئيس للعملية التعليمية، يلي ذلك تهيئة البيئة المدرسية ثم الطالب الذي يمثل جوهر العملية.
وأشار إلى أن غياب المرتبات وضعف الإدارة المؤسسية أثرا سلباً على التزام المعلمين، بينما تعرّضت المدارس إلى تدمير واسع ونهب لممتلكاتها، الأمر الذي زاد من صعوبة استمرار التعليم. كما أن الظروف الاقتصادية والاجتماعية القاهرة التي يعيشها الطلاب شكلت عائقاً أمام استعدادهم وتفاعلهم مع العملية التعليمية.
وأكد أن أبرز التحديات تكمن في غياب التنسيق بين وزارة التربية والهيئات القائمة على الأرض، ما جعل الإدارات المحلية عاجزة عن تسيير العملية التعليمية، في وقت يتعذر فيه وجود الوزارة في الإقليم.
الانقسامات تعمّق الجراح
كشف أحد الفاعلين المدنيين من مدينة الضعين بولاية شرق دارفور أن تصاعد خطاب الكراهية والسرديات المضللة ترفع من وتيرة الحرب، وبالتالي تسبب الانقسامات وسط المجتمع.
وقال أن أكثر ما يتعرض له الشباب جراء هذه الحرب الحالية يتمثل في الموت، الاعاقة، فقدان فرص التعليم، مصادر الدخل، الاعتقالات، خطورة الحركة، وتوجيه التهم جزافاً؛ وقال “الأحداث التي وقعت على طلاب الشهادة السودانية وبعض التجار واتهامهم ومحاكمتهم بقانون الوجوه الغريبة”. وذكر أنه من دون وقف الحرب لا يمكن تقليص المسافات بين الشباب في دارفور.
واقترح أن الحل يتمثل في ايجاد ماعون كبير يجمع الشباب لإدارة حوار مع وجود فاعلين محايدين وبعيدين عن أطراف الصراع وأجنداتهم، من خلال رفع الوعي وإعلاء صوت الشباب واشراكهم في العمليات التفاوضية.
الشباب وقود الحرب
قال المعلم بمرحلة الأساس بمدينة الجنينة بولاية غرب دارفور، سيف الدين ديفيد 35 عاماً، ، إن الشباب من الجنسين هم الفئة الأكثر عددًا وتأثرًا بالحرب. وأضاف أن معظمهم تعرضوا للكثير من الانتهاكات من بينها القتل، الإصابات الجسدية والتجنيد القسري، ما نتجت عنه الصدمات النفسية؛ كاشفاً عن أن الانتهاكات ضد الفتيات والشابات شملت العنف الجنسي، الزواج القسري، الاستغلال.
وذكر أن الانتهاكات الاقتصادية والاجتماعية أكثر تاثيراً من خلال فقدان فرص العمل والتعليم، النزوح واللجوء، والتمييز داخل مخيمات النزوح.
وأشار أن من آثار الانتهاكات، إنهيار التماسك المجتمعي، ارتفاع معدلات العنف، تراجع فرص التنمية البشرية، فقدان الثقة في المؤسسات الوطنية والدولية واحتمالية انخراط الشباب في دوائر العنف أو الهجرة غير النظامية.

الصحفيون ضحايا مزدوجون
قالت أستاذة الاعلام بجامعة الجنينة، الصحفية هانم ادم حسين، أن الصحفيين والصحفيات والعاملين في المهن الإعلامية بإقليم دارفور جاءوا ضمن أكثر المتضررين من الحرب؛ حيث عانوا من القتل، الاعتقال، التعذيب والتهديد. ورصدت نقابة الصحفيين السودانيين في تقريرها السنوي للعام ٢٠٢٤م، أن من جملة ما يزيد عن 500 حالة انتهاك ضد الصحفيين السودانيين 30% منها كانت في إقليم دارفور. وذكرت نقابة الصحفيين في ذات التقرير، أن ثمانية من الصحفيين الشباب بإقليم دارفور قتلوا و17 آخرون تم إعتقالهم منذ إندلاع الحرب.
واشارت هانم، أن بعض الصحفيين تعرضوا للتصفية بدوافع عرقية أو سياسية وفقدان وسائل العمل بعد التخريب الذي طال المؤسسات الإعلامية.
وعضدت هانم ما ذهب اليه سابقوها، إن أكثر شريحة وقع عليها الضرر في هذه الحرب هم الشباب، الذين وقعوا ضحايا للتجنيد القسري، حيث أضطر بعضهم للقتال إلى جانب أطراف الصراع مدفوعين بمبررات جهوية أو إثنية أو لحماية أنفسهم وأسرهم.

قصص لجوء مؤلمة
ذكرت اللاجئة بدولة أوغندا (م، ح، س) ١٩ عاماً، القادمة من مدينة زالنجي بوسط دارفور أثنا تواجدها بأحد مقاهي أروا بارك بالعاصمة كمبالا، وهي مشتتة الذهن وتبدو عليها علامات الرهق والحيرة؛ قالت انها تبحث عن شخص يستضيفها، بعد أن هربتُ من المخيم الذي يأوي اللاجئين بسبب أحداث العنف في يوليو الماضي.

وعبرت عن عدم قدرتها لتحمل المزيد من الألم والقهر وعدم الإستقرار الأمني والنفسي، بعد فقدانها منزلها وأسرتها بسبب الحرب ما دفعها للجوء إلى أوغندا برفقة معارفها.
نزوح ودموع وأحلام مهدورة
تحدثت المدافعة عن حقوق الانسان، وصال الزين 28 عاماً، عن أوضاع الشباب في إقليم دارفور في ظل الحرب الحالية. وروت رحلة نزوحها من منزلها بالأحياء الشرقية لمدينة الفاشر ـــــ التي تسيطر عليها قوات الدعم السريع ــــــ إلى الأحياء الجنوبية قبل أن تصبح لاجئة بدولة أوغندا.
وقالت إنها واسرتها تعرضتا للتهديد ما أجبرها على مغادرة السودان، ولحقت بها أسرتها. وكشفت وصال عن تعرض والدتها وعدد من أفراد عائلتها بإصابات متفاوتة بالرصاص والتعذيب الذي أودى بحياة بعضهم، علاوة على فقدان عملها وحرمانها من إكمال دراستها وأضافت “لديّ اليوم اضطرابات نفسية، قلق وتوتر وإكتئاب”.
التأثيرات النفسية
قال عبدالباقي محمد حامد، مدير عام الرعاية الاجتماعية ومنسق الشؤون الإنسانية بحكومة إقليم دارفور، إن الحرب الجارية في الإقليم ألقت بظلال كارثية على أوضاع الشباب من الجنسين، حيث مست تأثيراتها مختلف الجوانب النفسية والاجتماعية والتعليمية والصحية والاقتصادية؛ موضحاً أن معظم الشباب يعانون من صدمات نفسية عميقة نتيجة مشاهدات العنف وفقدان الأهل والأصدقاء.
وأكد أن هذه الأوضاع أدت إلى شعور متزايد بالعزلة والوحدة، إلى جانب تراجع فرص التعليم والعمل بسبب تفكك البنية الاجتماعية والاقتصادية.

كما ذكر أن الأوضاع الصحية للشباب تدهورت بفعل غياب الرعاية الأساسية وانهيار البنية التحتية الطبية، ما تسبب في ارتفاع معدلات الأمراض النفسية والعقلية .
مع غصّة تختنق بالكلمات، اختتمت المدافعة الحقوقية وصال الزين، حديثها مؤكدة أن الحرب لم تكتف بتمزيق حاضر الناس، بل سرقت أحلامهم ومستقبلهم. فقد حُرمت هي شخصياً من إكمال دراستها العليا بعدما تحولت جامعة الفاشر إلى ركام، فيما خسر آلاف الطلاب مقاعدهم وفرصهم في التعليم والتأهيل المهني.
مشهد لا يعني توقف الدراسة فحسب، بل يهدد بتضييق أبواب التوظيف وتوسيع دائرة البطالة، ويمس بذلك حقاً أساسياً من حقوق الإنسان وفقاً للاعلان الدولي لحقوق الانسان.
لدواعي سلامة بعض المصادر عمدنا على إخفاء هوياتهم
ينشر هذا التقرير ضمن مشروع *انترنيوز* الخاص بتغطية الوضع الانساني والانتهاكات وتأثير النزاع في السودان