نساء الفاشر من الحصار الى بدايات جديدة

عندما اندلعت المعارك بمدينة الفاشر عاصمة شمال دارفور في ابريل 2024م، كانت الممرضة عزيزة إسحاق أبكر (27 عاماً) تعمل في مستشفى الأطفال التخصصي. لم تمضِ سوى أيام قلائل على بدء القتال حتى خرج المستشفى من الخدمة بعد تصاعد القصف، لكن ذلك لم يوقف عملها، انما تنقلت بين عدة مراكز صحية بديلة داخل المدينة، وبعد نحو عام انتقلت الى معسكر زمزم للنازحين، حيث تحولت الخيام والمباني البسيطة إلى أقسام إسعاف بديلة. هناك، كانت عزيزة تعالج المصابين بإمكانات شبه معدومة؛ وفي مرحلة لاحقة، نُقل المرضى إلى منازل داخل الأحياء السكنية عُرفت ببيوت المرضى، حيث استمرت هي وزملاؤها في تقديم العلاج وسط القصف المتواصل.

وسط هذه الظروف القاسية، فقدت عزيزة والدتها نتيجة القصف داخل المدينة. ومع تدهور الوضع الأمني وسقوط مناطق واسعة حول الفاشر، اضطرت مع أسرتها إلى مغادرة المدينة في رحلة نزوح شاقة استمرت خمسة عشر يوماً، واجهت فيها مخاطر النهب والعنف على الطرق، قبل أن تصل أخيراً إلى مدينة الدبة في الولاية الشمالية.

اليوم تعيش الممرضة عزيزة مع سبعة من أفراد أسرتها داخل خيمة في معسكر العفاض للنازحين. توقفت شقيقاتها الجامعيات عن الدراسة منذ سنوات، وهي نفسها لم تعد تجد عملاً ثابتاً في مهنتها، لكنها تواصل التطوع في المبادرات الصحية داخل المخيم.

وفي اليوم العالمي للمرأة، تعكس قصة الممرضة عزيزة جانباً من معاناة آلاف النساء السودانيات اللواتي واصلن إنقاذ الأرواح ورعاية الآخرين رغم ما يواجهن من ويلات الحرب والنزوح والفقد.

يوم المرأة العالمي

في الثامن مارس من كل عام يحتفل العالم بالمرأة، في مناسبة تهدف إلى تكريم إنجازات النساء في مختلف المجالات، وتسليط الضوء على قضايا المساواة بين الجنسين وحقوق المرأة. وتسليط الضوء على عدة قضايا، منها: تعزيز حقوق المرأة والمساواة في الفرص، لفت الانتباه إلى التحديات مثل العنف ضد النساء، التمييز، ودعم مشاركة النساء في صنع القرار.

في كل عام درج الأمين العام للامم المتحدة على بعث رسائل بمناسبة اليوم العالمي للمرأة حيث جاءت رسالته هذا العام 2026م، مركّزة على الفجوات المستمرة في الحماية القانونية والعدالة.

وأشار انطونيو غوتيريش إلى أن النساء حول العالم لا يتمتعن سوى بنحو 64% من الحقوق القانونية التي يتمتع بها الرجال، معتبراً أن هذه الفجوة تكشف حجم التحدي الذي لا يزال قائماً أمام تحقيق المساواة.

وحذر الأمين العام من اتجاه عالمي مقلق يتمثل في تراجع بعض المكتسبات التي حققتها النساء خلال العقود الماضية، خاصة في ظل تصاعد النزعات الاستبدادية وعدم الاستقرار السياسي في عدد من المناطق.

وتأتي رسالة الامين العام للامم المتحدة بهذه المناسبة في وقت تشير فيه تقارير أممية إلى أن النساء والفتيات يشكلن النسبة الأكبر من المتضررين من النزاعات والأزمات الإنسانية، ما يجعل الدعوة إلى حماية حقوقهن وضمان العدالة لهن أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى.

نساء السودان في قلب المعاناة

تمر مناسبة اليوم العالمي للمراة، ونساء السودان يواجهن على مدى ثلاث سنوات صنوفاً من الانتهاكات وآثار الحرب التي تشهدها البلاد. تقول فاطمة عبد الرحمن ــ التي اجبرتها الحرب الى اللجوء مرة اخرى من معسكر زمزم الذي نزحت اليه في منتصف الالفينات ــ إن الأزمة الإنسانية المتفاقمة جعلت أوضاعهن أكثر هشاشة يوماً بعد يوم. وتوضح أن كثيراً من النساء لا يجدن ما يكفي لتلبية احتياجاتهن اليومية، في ظل نقص حاد في الخدمات الأساسية داخل مراكز الإيواء ومعسكرات النزوح، وغياب فرص العمل التي تمكنهن من إعالة أسرهن مشيرة إلى أن المبادرات المجتمعية مثل التكايا والمطابخ الجماعية في مراكز النزوح حاولت سد جزء من الفجوة عبر توفير وجبات يومية للنساء والأطفال، لكنها تؤكد أن حجم الحوجة ما يزال أكبر بكثير من الموارد المتاحة.

وتضيف فاطمة ــ في حديثها لسلاميديا بمناسبة اليوم العالمي للمرأة ــ أن التحديات لا تقتصر على الداخل السوداني فحسب، بل تتفاقم أيضاً في دول اللجوء المجاورة. فآلاف النساء السودانيات يقمن اليوم في مخيمات أو مدن في دول مثل تشاد، اوغندا، جنوب السودان، مصر وليبيا، حيث يواجهن ظروفاً معيشية معقدة وصعوبات في الحصول على المساعدات الإنسانية. وافادت بأن نسبة كبيرة من النساء اللاجئات المسجلات لدى المفوضية العليا لشئون اللاجئين (UNHCR) لا يتلقين دعماً إنسانياً منتظماً، ما يتركهن في مواجهة مباشرة مع أعباء تأمين الغذاء والسكن ورعاية الأطفال، ومع محدودية فرص العمل في دول اللجوء، تجد كثير من النساء أنفسهن أمام خيارات قاسية للبقاء.

وتقول إن الحرب دفعت بعض النساء السودانيات إلى التسول في الشوارع أو أمام دور العبادة في مصر لتأمين احتياجات أسرهن. كما تضيف أن المخاوف من الاعتقال أو الترحيل القسري دفعت كثيرات إلى البقاء داخل المنازل، الأمر الذي زاد من عزلتهن وذاد الصعوبات التي يواجهنها في توفير احتياجات الأطفال.

مبادرات تقودها النساء

افادت إيمان هاشم، عضو مبادرة قومة بنات الفاشر لسلاميديا ان  النساء بشمال دارفور تحملن العبء الأكبر نتيجة النزوح، فقدان مصادر الدخل وانهيار الخدمات الأساسية، واصبحن يتحملن مسؤولية توفير الغذاء والماء ورعاية الاطفال،  إما بسبب فقدان الزوج او انفصال العائلات  اثناء  الهجمات والنزوح.

واضافت أن النساء في شمال دارفور يواجهن خطر استخدام العنف الجنسي كسلاح في هذه الحرب وكثير ما يتم الاعتداءعليهن اثناء القيام بالانشطة اليومية مثل البحث عن الغذاء أوالماء.

وتقول ايمان ان خروج نحو ٩٠٪ من المرافق الصحية بشمال دارفور اثر بشكل كبير على صحة النساء الحوامل والاطفال، واشارت كذلك الى تأثير إغلاق المدارس منذ اليوم الاول للحرب الذي بدوره ادى الى زيادة التسرب الدراسي ومعدلات زواج القاصرات.

مشيرة الى السياق الانساني والامني المعقد التي تعمل فيه المبادرات والمنظمات النسوية بشمال دارفور، وابانت ان مبادرة قُومة بنات الفاشر تعمل في سياق إنساني وأمني شديد التعقيد، حيث أدت حرب 15 ابريل  إلى تفاقم الأوضاع الإنسانية بشكل غير مسبوق.

وكشفت عن عدة تحديات تواجه عمل مبادرة قومة بنات الفاشر تتمثل في التدهور الأمني وانتشار السلاح  في مدينة الفاشر ومحيطها مما يجعل العمل الانساني محفوف بالمخاطر و يحد من قدرة المتطوعات على الوصول إلى المجتمعات المتضررة وتقديم المساعدات الإنسانية اضافة لنقص التمويل  والموارد، اذ ان المبادرة تعتمد بشكل كبير علي جمع  التبرعات وهذا بدوره اثر بشكل  مباشر علي تمويل الانشطة.

إذ تواجه النساء العاملات في المبادرة ضغوطاً كبيرة نتيجة العمل في بيئة حرب، وبشكل خاص بعد احداث سقوط مدينة الفاشر علي يد قوات الدعم السريع  وعلى الرغم من هذه التحديات تظل مبادرة قومة بنات الفاشر نموذجاً مهماً لقيادة النساء في الاستجابة الإنسانية المحلية وتعزيز التضامن المجتمعي في ظل غياب أو ضعف الاستجابات من قبل الدولة والمنظمات الإنسانية.

أضافت إيمان ان هناك قضايا ملحة تتمثل في تقديم بعض الخدمات للنساء، مثل تقديم جلسات الدعم النفسي للناجيات من العنف بجانب تقديم مواد النظافة الشخصية ودعم قضايا الصحة الانجابية كواحدة من أهم الاحتياجات التي لا تقل أهمية عن الغذاء والماء.

تشير ورقة بحثية مشتركة شارك فيها Chr. Michelsen Institute إلى أن المنظمات التي تقودها النساء أصبحت في طليعة الاستجابة الإنسانية، إذ تدير أكثر من 70% من المساعدات المحلية في المناطق المتضررة من النزاع. غير أن هذه المنظمات، وفق الدراسة، ما تزال تواجه تهميشاً في عمليات السلام الرسمية، إضافة إلى فجوة تمويلية تقدر بنحو 40% مقارنة بالمنظمات الدولية التي يقودها رجال، رغم أن النساء يمثلن ما يشبه العمود الفقري للاستجابة الإنسانية في السودان.

يمثل صمود المبادرات التي تقودها نساء مثل مبادرة قومة بنات الفاشر فصلا جديدا من فصول قدرة نساء السودان على العطاء في بيئة نزاع شديدة التعقيد كما حال السودان. اذ ان قومة بنات الفاشر قدمت خدماتها للنساء والمجتمع ابان حصار الفاشر وواصلت في دعم الناجين/ات في طويلة، الطينة، دار السلام ومناطق شرق الجبل – قولو.

احصاءات اممية

وفي سياق النزاع الذي يشهده السودان منذ العام 2023م، تكشف بيانات المنظمات الدولية أن النساء والفتيات يشكلن النسبة الأكبر من المتضررين من النزاع والنزوح في السودان، خصوصاً في إقليم دارفور. ووثق مكتب المفوض السامي لحقوق الانسان التابع للامم المتحدة تقارير وصفها بالمروعة عن عنف جنسي ممنهج استهدف النساء والفتيات، بما في ذلك الاغتصاب والزواج القسري، خلال وبعد أحداث السيطرة على مدينة الفاشر بشمال دارفور، مشيراً إلى أن هذه الانتهاكات ارتُكبت في ظل غياب شبه تام للمساءلة، وقد ترقى إلى جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، وفقاً لتوصيف المفوضية.

وبحسب مصفوفة تتبع النزوح التابعة لمنظمة الهجرة الدولية، تشكل النساء البالغات نحو 27% من النازحين من الفاشر، فيما تمثل الفتيات والأطفال من الإناث 26%، ما يعني أن الإناث يشكلن مجتمعات 53% من إجمالي النازحين. كما يقدّر التقرير أن نحو 11,511 أسرة نازحة – أي ما يقارب 10% من إجمالي الأسر – تعولها نساء، وهي فئة تُعد من الأكثر عرضة لمخاطر الحماية وضعف الوصول إلى الخدمات الأساسية.

وتشير تقديرات هيئة الأمم المتحدة للمرأة إلى أن الأسر التي تعولها نساء في السودان تواجه مستويات أعلى من الهشاشة الغذائية، إذ تكون أكثر عرضة للجوع بمرتين مقارنة بالأسر التي يعولها رجال. وفي بعض المناطق يرتفع هذا الخطر إلى ثلاثة أضعاف، حيث تعاني 12% من الأسر التي تقودها نساء من انعدام أمن غذائي حاد، مقابل 4% فقط للأسر التي يقودها رجال. وتوضح المنظمة أيضاً وجود علاقة مباشرة بين الجوع والعنف القائم على النوع الاجتماعي؛ فكل زيادة بنسبة 10% في انعدام الأمن الغذائي تقابلها زيادة بنحو 25% في مخاطر التعرض للعنف.

بدورها تؤكد منظمة اليونسيف أن النساء والفتيات يشكلن 53% من إجمالي النازحين في السودان، محذّرة من أن أكثر من أربعة ملايين امرأة وفتاة يحتجن بشكل عاجل إلى خدمات الحماية من العنف القائم على النوع الاجتماعي والاستجابة له، في ظل تزايد المخاطر نتيجة انهيار الأنظمة الأمنية في مناطق النزاع والنزوح.

قصص صمود نساء السودان خلال الحرب ليست مجرد سرد لمعاناتهن، بل انعكاس لواقع جهودهن لرفع المعاناة وسد الفجوات، اذ ظللن يواجهن العنف والجوع لوحدهن، ويبقى المطلب العاجل هو تحويل الاشادات الدولية والمحلية بصمود نساء السودان الى دعم حقيقي ومباشر للمنظمات والمبادرات التي تقودها النساء، مع ضمان تمثيلهن في مراكز القرار وصناعة السلام، فبدون حماية للناجيات يبقى الاحتفال باليوم العالمي للمرأة مجرد شعار في بلد تفتقر فيه النساء لابسط متطلبات الحياة.