تقرير: سلاميديا
في ركنٍ متآكل من مركزٍ صحي متهالك في شنقل طوباي بولاية شمال دارفور، تجلس أم تضم طفلها الأصغر إلى صدرها، بينما يتمدد أشقاؤه الثلاثة على الأرض من حولها، بأجساد أنهكها المرض. لا شيء في المكان يوحي بقدرة على الإنقاذ: لا دواء، ولا أسِرّة كافية، ولا حتى صمتٌ يخفف من وطأة السعال المتواصل الذي يملأ الغرفة. تنتظر الأم، كما عشرات الامهات غيرها، علاجًا لا يأتي، في مشهدٍ يلخص اتساع رقعة وباء الحصبة في دارفور بل لاحق اللاجئين من الاقليم الى شرق تشاد، وتحول إلى أزمة إنسانية تتجاوز حدود الصحة إلى عمق البقاء ذاته.
هذا المشهد لا يمثل حالة فردية، بل يتكرر في مراكز صحية عديدة، حيث تتكدس الأسر في انتظار خدمات صحية شبه غائبة، في ظل تفشٍ متسارع لمرض يمكن الوقاية منه.
في مدينة كبكابية إلى القرى النائية شرق جبل كاورة، تتسارع وتيرة انتشار المرض وسط الأطفال، في ظل انهيار شبه كامل للقطاع الصحي وخدمات التحصين. يقول الدكتور حيدر إبراهيم، المدير الطبي لمستشفى كبكابية، لسلاميديا إن أولى بلاغات الاشتباه بالحصبة ظهرت في مارس الماضي، ما دفع السلطات الصحية إلى عقد اجتماع طارئ لبحث كيفية التدخل لمجابهة المرض. لكن الأرقام التي تلت ذلك كانت صادمة: 565 حالة إصابة مسجلة، و34 حالة وفاة، حتى الاسبوع الماضي مع تزايد يومي في الحالات، خاصة بين الأطفال.
يوضح إبراهيم أن السبب الرئيسي لهذا التفشي يعود إلى غياب اللقاحات الأساسية، مشيرا إلى أن معظم أحياء المدينة والمراكز الصحية والعيادات الخاصة تفتقر إلى لقاح الحصبة. ويضيف أن من أبرز التحديات توقف خدمات مركز الأطفال ومراكز العزل، إلى جانب نقص الكوادر الصحية وعدم القدرة على استيعاب فرق التحصين.
في أم حوش، شمال دارفور، تبدو الصورة أكثر قسوة. خلال أسابيع قليلة فقط، ارتفع عدد الإصابات من ثلاث حالات إلى نحو 300 إصابة و9 وفيات. تقول رباح إسماعيل، مسؤولة المكتب الطبي بغرفة الطوارئ، لسلاميديا إن المركز اضطر لتحويل مدرسة إلى موقع عزل مؤقت، لكن الإمكانيات محدودة للغاية:
واضافت “نحن لا نستطيع عزل المرضى بشكل كامل، فقط لساعات محدودة، وبعدها يعودون إلى أسرهم”، في إشارة إلى بيئة خصبة لانتشار العدوى، علاوة على ان الفقر الذي يعانيه المجتمع يزيد من تعقيد الأزمة. فالأسر التي تضم ثلاثة أو أربعة أطفال تعجز عن توفير الغذاء، فضلًا عن العلاج. وتؤكد رباح أن الأدوية حين تصل تنفد خلال أيام، ما يترك المرضى في مواجهة مفتوحة مع المرض.
من جهته، يشرح جعفرابو الريف، المدير الطبي لمركز صحي أم حوش، أن طبيعة السكن نفسها تسهم في تفشي العدوى: “الأسرة الواحدة تعيش في مساحة ضيقة، والأطفال ينامون معًا… ومع غياب الآباء الذين خرجوا بحثًا عن الرزق، يصبح الأطفال أكثر عرضة للإصابة” ويشير إلى أن المرض ينتقل بسهولة عبر العطس والمخالطة المباشرة، ما يجعل احتواءه شبه مستحيل في هذه الظروف.
ورغم تسجيل حالات شفاء، إلا أن استمرار تدفق الإصابات يهدد بانتكاسة أكبر. ويقول المدير الطبي لمركز ام حوش ان الأدوية التي تصل تكفي لأسبوع فقط، ووجه نداءً عاجلًا للمنظمات الانسانية العاملة في المجال الصحي للتدخل العاجل لانقاذ الاطفال واضاف “الأطفال يحتاجون إلى الغذاء والعلاج… المنطقة تحتاج إلى تدخل شامل”
على المستوى الأوسع، يربط مختصو الصحة العامة هذا التفشي بتداعيات الحرب المستمرة منذ أبريل 2023. ويوضح محمد هارون، المختص في برامج التطعيم، لسلاميديا أن توقف برنامج التحصين الموسع أدى إلى عودة أمراض كان السودان قد تمكن من السيطرة عليها بصورة كبيرة. وقال ان اللقاحات لم تعد تصل بانتظام إلى دارفور، وهذا فتح الباب أمام الحصبة والكوليرا وشلل الأطفال والسعال الديكي للانتشار في الاقليم، مؤكدًا أن الحصبة مرض فيروسي سريع الانتشار وقد يكون قاتلًا، خاصة للأطفال دون سن الخامسة عشرة. ويضيف أن الوقاية ممكنة عبر جرعتين أساسيتين من اللقاح، لكن غيابهما حاليا يجعل آلاف الأطفال في دائرة الخطر.
في المقابل، تلوح مؤشرات أولية على تحرك رسمي، حيث أعلن الدكتور البشير داؤود، مدير مستشفى الفاشر التخصصي، عن خطة لإطلاق برنامج تحصين موسع يشمل جميع محليات شمال دارفور، بهدف احتواء الوباء وتغطية أكبر عدد ممكن من الأطفال.
لكن، وبينما تُعلن الخطط، يبقى الواقع على الأرض أكثر قسوة: أمهات ينتظرن، أطفال يصارعون المرض بلا دواء، ومجتمعات تعود قسرا إلى وسائل علاج بدائية، مثل استخدام أوراق شجر (الطنطب) في محاولة يائسة لتعويض غياب النظام الصحي. ففي دارفور اليوم، لا تعني الحصبة مجرد مرض يمكن الوقاية منه، بل تحولت إلى اختبارٍ قاسٍ لحق الأطفال في الحياة، حقٌ يبدو، حتى الآن، خارج متناول الآلاف.
