قسم السيد الطيب: على مثله فلتنح النائحات
أكثرت من كتابات النعي والرثاء، ثم نظرت حولي فوجدت الفضاء الاسفيري يمتلئ ويفيض بكتابات الرثاء كل يوم، بدا لي أن الشعب السوداني بسبيله للانقراض. قررت أن بالناس ما يكفي من الأحزان، فلنوفر عليهم أحزاننا، ولنكتب ما يطيب خاطرهم ويزيل عنهم الهموم. لكن فاجأني رحيل الأخ والصديق العزيز الحبيب قسم السيد الطيب، تفرق أخوانه وأحبابه أيدي سبأ، فلم نجتمع لنبكيه معا ونتشايل همومنا وأحزاننا، فاستثنيته، فهو في الأساس كائن استثنائي، لو تعلمون.
قسم السيد الطيب شخص عادي…غير عادي، موظف إداري بصحيفة الخرطوم التي عملنا فيها سويا لسنوات طويلة، تزاملنا في الخرطوم، ثم في القاهرة لفترة، ثم في الخرطوم، وهذا هو الجزء العادي من الحكاية، ما غير العادي هي شخصيته ونوع العلاقة التي تنشأ بينه وبين الناس، كل الناس الذين يتعاملون معه. هو رجل هبط من عصر فرسان القرون الوسطى على القرن العشرين والذي يليه، جاء من قرية “البشاقرة شرق” ، ليعمل مع قريبه الدكتور الباقر أحمد عبد الله ، حاملا معه صفات فرسان بادية البطانة وهبط بها في قلب الخرطوم: الفروسية والشجاعة، الكرم، الشهامة، الفراسة وخدمة الناس.
حين أحاول أن أوصف سماته وصفاته لا أجد في الأدب الحديث ما يليق به، شخصيته موجودة في أوصاف مناحات القرون الماضية التي جادت بها قريحة جداتنا ” والمناحات تعني في السودان المراثي، وهي باب كبير في الادب والفن الشعبي السوداني”.
ما حمل قسم السيد همومه الشخصية وحدها، بل كان حاملا لهموم الناس وحلال مشاكلهم، ليس بالضرورة أن يكون قادرا شخصيا على حلها، لكنه يسعى عند من يمكنه الحل. لا يمكن أن تعرف ما هي وظيفته بالضبط، لكنه جاهز ليسد في أي مكان، لم يتعامل مع العمل كوظيفة، بل كواجب عليه أن يؤديه بكل إخلاص وتفاني تجاه المؤسسة والعاملين بها وأسرة الدكتور الباقر.
عشت معه عشرات المواقف التي تظهر جانبا من شخصيته، لم يكن يتوقف عند أي مشكلة، فغالبا لديه حلا ما لها، مهما كانت المصاعب، تسبقه ابتسامته الوضاءة وضحكته الرنانة، مهما طلبت لن تسمع سوى كلمة “أبشر”..و”إن شاء الله محلولة”. ام يكن غريبا أن تجد الزملاء والزميلات في الوسط الصحفي والمعارف يدخلون وعليه ويخرجون من عنده، فقد كان موظفا بأخلاق عمدة وناظر.
تمتع بفراسة عجيبة في معرفة الناس وتصنيفهم، نادرا ما خانته فراسته، وهو قادر أن يتعامل مع كل شخص بما يستحقه. لمته مرة لأنه أظهر جفاءا غير معهود فيه تجاه أحد الأشخاص..فرد علي ” إنت راجل طيب، نحن بنعرف الاوغاد من أول كلمة”…وقد كان. رأيت شجاعته في أكثر من موقف، حتى حين كان الموقف قد يصل لمرحلة الاحتكاك الجسدي، وهو النحيل رقيق الجسم، أمام من يملك بسطة في الجسم، فلم يهاب أو يتراجع..حتى كسب الموقف.
عرفنا من خلاله كل اهله، فصاروا أهل لنا، ذهبنا للبشاقرة شرق أفرادا وجماعات في الافراح والاتراح حتى صرنا جزءا منها، تمتعنا بكرمهم وحسن استقبالهم،
حين أسمع أغنيات التراث التي تتغنى بشجاعة وشهامة وكرم كبار القوم وسادة المجتمعات أجد فيها تطابقا معه، وكأنها فصلت عليه.
قسم السيد الطيب قسم السيد فارس في زمن قلت فيه الفوارس، أخ الجميع وخادمهم، حامل همومهم وحلال مشاكلهم.
تقول المغنية الشعبية في مدح سيد القوم منذ كان طفلا صغيرا “مناي ليك ما وقف..أتمنيت ليك..تكبر تشيل فوق ردف”…وغاية مناها أن يحمل الابن المسؤوليات مترادفة، وهذا مصدر فخرها، وهكذا كان قسم السيد الطيب، وعلى مثله فلتنح النائحات.
اللهم إن عبدك قسم السيد الطيب جاءك صابرا محتسبا فترة المرض والمعاناة، فقيرا إلا من محبة الناس، غنيا بدعواتهم ورجاءاتهم، فأنزله منزلا يستحقه في عالي الجنان بكرمك وعفوك، وأنت سيد الاكرمين.
اللهم إنه كان أفضلنا وأكرمنا وأشجعنا وأسرعنا في خدمة الناس، فأجعل ذلك في ميزان حسناته، وأغمره بعطفك ورعايتك، وأملا قلوب أسرته وأهله بالصبر والإيمان..وأجعل البركة في أبنائه وأسرته.
