بقلم: م/ آدم مكرم
في لحظة تاريخية تتكثف فيها الأزمات وتتداخل فيها خطوط الصراع، تبدو أفريقيا وكأنها تنزلق نحو غياهب الجب — ليس بفعل ضعفها، بل نتيجة موقعها في قلب تحولات عالمية عميقة تعيد تشكيل ميزان القوى.
التصعيد بين إيران وإسرائيل لا يمكن قراءته كصراع إقليمي معزول، بل كجزء من إعادة تشكيل النظام الدولي، حيث تتراجع القواعد التقليدية لصالح منطق أكثر خشونة. هذا التحول ينعكس مباشرة على مناطق مثل إفريقيا، التي تتحول تدريجيًا إلى مسرح غير معلن لتنافس القوى الكبرى.
في هذا السياق، لا تعود الحروب مجرد نزاعات، بل أدوات لإعادة توزيع النفوذ. ومع تزايد الإنفاق العسكري عالميًا، يتراجع الاستثمار في التنمية، ما يخلق بيئة خصبة لعدم الاستقرار في القارة. وهنا تتجلى المفارقة: إفريقيا التي تمتلك مقومات النمو، تُدفع نحو دوائر الصراع بدلًا من مسارات الإنتاج.
على الضفة الأخرى، تقدم الصين نموذجًا مختلفًا للنفوذ، يعتمد على الاقتصاد والبنية التحتية بدلًا من التدخل العسكري المباشر. هذا التوجه، رغم طابعه البراغماتي، يعكس تحوّلًا في أدوات الهيمنة، من السيطرة العسكرية إلى الترابط الاقتصادي. لكنه في الوقت ذاته يفتح الباب أمام تنافس عالمي أكثر تعقيدًا على القارة.
وسط هذه التحولات، يقف السودان كنموذج مكثف للأزمة. فالصراع فيه لم يعد شأنًا داخليًا فحسب، بل أصبح نقطة تقاطع لمصالح إقليمية ودولية. السودان اليوم ليس فقط ساحة نزاع، بل مرآة تعكس اختلالات النظام العالمي نفسه.
ورغم هذا المشهد القاتم، فإن الحديث عن “غياهب الجب” لا ينبغي أن يكون استسلامًا لواقع مظلم، بل توصيفًا للحظة حرجة تسبق التحول. فالقارة الافريقية لا تفتقر إلى الفرص، بل إلى إعادة توجيه الأولويات من اقتصاد الحرب إلى اقتصاد السلام.
التحالفات الجديدة التي تتشكل عالميًا تقوم على المصالح لا المبادئ، ما يفرض على الدول الافريقية إعادة تعريف دورها، ليس كأطراف متأثرة، بل كفاعلين قادرين على صياغة شروطهم في النظام الدولي.
السؤال لم يعد من يملك القوة، بل كيف تُستخدم هذه القوة:
هل لتغذية الصراعات، أم لبناء استقرار مستدام؟
أفريقيا، وهي تقف على حافة هذا التحول، ليست في قاع الجب بقدر ما هي في لحظة اختبار. والنتيجة ستعتمد على قدرتها — وقدرة العالم معها — على اختيار طريق السلام، لا كقيمة أخلاقية فقط، بل كخيار استراتيجي لا غنى عنه.