بقلم: م/ ادم مكرم
في الأزمنة المضطربة، حين تتراجع القيم الكبرى أمام صخب البنادق وضجيج المصالح، يصبح تكريم المثقف الحقيقي أكثر من مجرد احتفاءٍ بشخص؛ إنه فعلٌ أخلاقي يعيد الاعتبار للوعي، وانحيازٌ صريح لقيمة الكلمة الحرة في مواجهة القمع والتضليل. لذلك، فإن الجائزة المقدَّمة للصحفي السوداني محمد الفاتح همة من المبادرة السودانية لحقوق الانسان في نسختها الاولى لحرية الصحافة لا يمكن النظر إليها باعتبارها مناسبة بروتوكولية عابرة، بل بوصفها اعترافاً مستحقاً بمسيرة طويلة من الدفاع عن الصحفيين، وعن حق المجتمع في المعرفة، وعن الصحافة بوصفها ضميراً عاماً لا وظيفةً عابرة.
لقد ظل الصحفي محمد الفاتح همة، عبر سنوات العمل المهني والنقابي، واحداً من الأصوات التي لم تساوم على استقلالية الصحافة، ولم تنخرط في تبرير الاستبداد أو تجميل الخراب. وفي وقتٍ تعرّضت فيه الصحافة السودانية لأقسى أشكال التضييق، من المصادرة والاعتقال إلى التهديد والتشريد، كان حضوره مرتبطاً بالدفاع عن حرية التعبير وحقوق الصحفيين، لا باعتبارها مطالب فئوية تخص العاملين في المهنة وحدهم، وإنما كجزء أصيل من معركة المجتمع من أجل الديمقراطية والعدالة.
إن تكريم الصحفيين أصحاب المواقف المبدئية يكتسب معناه الحقيقي حين ندرك أن الصحافة الحرة ليست ترفاً ثقافياً، بل شرطاً من شروط بناء الدولة الحديثة. فالمثقف الذي ينحاز للحقيقة، ويدافع عن استقلال المهنة، ويفضح انتهاكات السلطة أياً كان مصدرها، إنما يقوم بدور يتجاوز الكتابة إلى حماية المجال العام نفسه من الانهيار.
ومن هنا، فإن تجربة محمد الفاتح همة تمثل نموذجاً للمثقف العضوي المرتبط بقضايا الناس، لا المثقف المنعزل داخل أبراج النخبة. فقد ارتبط اسمه بالدفاع عن زملائه الصحفيين في أوقات المحن، وبالمواقف الداعمة لحرية النشر، وبالتمسك بأخلاقيات المهنة في زمن الاستقطاب الحاد والانقسامات السياسية. وهي مواقف تحتاج إلى قدر كبير من الشجاعة، خصوصاً في بيئاتٍ تصبح فيها الكلمة الحرة هدفاً دائماً للترهيب.
ولعل القيمة الأهم لهذا التكريم تكمن في رسالته الرمزية؛ فالمجتمعات التي تحتفي بمثقفيها الحقيقيين إنما تعلن احترامها للعقل والمعرفة والحرية. أما المجتمعات التي تقصي أصحاب الفكر والرأي، فإنها تفتح الباب واسعاً أمام العنف والجهل وتفكيك المجال المدني.
لقد أثبتت التجارب الإنسانية أن الصحافة ليست مجرد مهنة لنقل الأخبار، بل سلطة أخلاقية ورقابية تدافع عن الحق العام. وكل تكريم يُمنح لمن حملوا هذه الرسالة بصدق، هو في جوهره دفاع عن المجتمع نفسه، وعن حق الناس في صوتٍ مستقل لا يخضع للابتزاز السياسي أو المالي.
إن الاحتفاء بمحمد الفاتح اليوم هو احتفاء بجيلٍ كامل من الصحفيين السودانيين الذين دفعوا أثماناً باهظة من أجل أن تبقى نافذة الحقيقة مفتوحة، رغم العواصف. وهو تذكير بأن المثقف الحقيقي لا يُقاس بحجم حضوره الإعلامي أو قربه من السلطة، بل بقدرته على الوقوف إلى جانب الحرية حين يصبح الصمت أكثر أماناً.
في نهاية المطاف، لا تُخلّد الأمم أسماء الذين امتلكوا القوة، بقدر ما تتذكر أولئك الذين امتلكوا الشجاعة الأخلاقية للدفاع عن الحقيقة. ولذلك، فإن تكريم محمد الفاتح همة ليس جائزة لشخصٍ فحسب، وإنما تكريم لفكرة كاملة. أن الصحافة الحرة ستظل، مهما اشتدت العواصف، واحدة من آخر حصون المجتمع في مواجهة الانهيار.
