سلاميديا: كمبالا

في خضم حرب السودان الحالية وسعي اطرافها لاكتساب الشرعية، ظل الفضاء الاعلامي والاسفيري ساحة للصراع حول توجيه السرديات.  ومن اهم المعارك التي برزت في الفضاء الاعلامي والاسفيري، السرديات المرتبطة بالذهب، والتي بدورها توجه بوصلتي الاقتصاد والسياسة معا.

يسعى هذا التقرير ليقدم تحليلا شاملا للسرديات المرتبطة بقطاع الذهب في السودان في الفترة من مايو 2025م الى مايو 2026م؛ وبذلك، تم جمع وفحص 201 مادة اعلامية منشورة لاستخلاص اهم التوجهات المرتبطة بالمشهد وتحديد الفاعلين الاساسيين في صناعة السرديات ورصد التناقضات بين الجهات المتصارعة لتشكيل الراي العام وتوجيه الاجندات السياسية والاقتصادية.

في عملية جمع البيانات والمعلومات قمنا باستخدام آلية البحث بنظام الكلمات المفتاحية في ملف اكسل، ومن ثم  تصنيفها حسب تاريخ النشر، عنوان المنشور، رابطه والجهة الناشرة؛ علاوة على ذلك، تم ادماج اداتي الذكاء الاصطناعي (جيليوس وجيميناي) للمساعدة في تحليل البيانات والمعلومات وتحديد الانماط.

شملت المعلومات تصريحات صادرة عن مسؤولين سابقين وحاليين في قطاع الذهب والتعدين، فضلا عن البيانات والتقارير الصادرة عن الجهات الرسمية مثل بنك السودان المركزي، الشركة السودانية للموارد المعدنية ووزارة المعادن.

من يقود الخطاب

من خلال البيانات والمعلومات المرصودة للمحتويات المنشورة حول الذهب، تظهر هيمنة مطلقة للرواية الرسمية من خلال الاعلام الحكومي بواسطة وزارة المعادن، الشركة السودانية للموارد المعدنية وبنك السودان المركزي. وتعمل تلك الجهات الحكومية على خلق زخم اخباري لاثبات التماسك الاداري للدولة من خلال ضخ الاخبار بصورة مكثفة. فمن خلال جملة المنشورات المجموعة (201)، تمثل الاخبار ما نسبته 45% بواقع 91 مادة خبرية، التقارير 21%، المنشورات على الحسابات الشخصية 13%، التحقيقات الصحفية 8% والفيديوهات 5% وبنسبة لا تتجاوز 1% للبيانات والتعميمات الصحفية.

وبتطبيق منهج التحليل الكمي اتضح ان السردية الاقتصادية اخذت الحيز الاكبر من المواد المنشورة التي تم رصدها وتحليلها، تليها سردية حجم الانتاج والسيطرة عليه؛ بينما تظهر المنشورات الخاصة بالفاعلين السياسيين والعسكريين بنسبة اقل ولكن بدلالة سياسية مرتفعة.

من خلال البيانات والمعلومات المرصودة يمكن استنتاج ان الذهب يقف عن تقاطع ثلاث ازمات سودانية كبيرة. تتمثل الأولى في قدرة الدولة على احتكار وتنظيم ورقابة قطاع التعدين، اما الثانية تتمثل في أزمة الحرب حيث تتحول الموارد إلى أدوات لتمويل استمرار الحرب؛ بينما الأزمة الثالثة هي أزمة السردية حول الذهب، وذلك لأن الخطاب المتداول لا يقدم قصة واحدة متماسكة بل قصصا متناقضة.

يظهر الرسم البياني ادناه نسب المحتوى المنشور حول سرديات الذهب

كما يظهر الرسم البياني التالي اكثر المصادر النشطة في نشر البيانات والمعلومات حول سردية الذهب 
كما يظهر الرسم البياني اعلاه اكثر المصادر النشطة في نشر البيانات والمعلومات حول سردية الذهب 

تناقض السرديات

برز عدة تناقضات في البيانات والمعلومات التي تم جمعها، وكان ابرزها ما نشرته وكالة السودان للانباء (سونا) يومي 5 و6 سبتمبر 2025م؛ وتمثلت في توقيع وزارة المعادن لاتفاقية استثمارية استراتيجية مع شركة ديب ميتالز للتعدين، ومن ثم تم نفيه في اليوم الثاني. حوى الخبر المنشور بتاريخ 5 سبتمبر تصريحات على لسان وزير المعادن السيد/ نورالدائم طه، مفادها ان الاتفاقية الموقعة بين وزارته وشركة ديب ميتالز تفتح بابا للتعاون بين القطاع الخاص والحكومة.

ويتناقض الخبر المنشور بتاريخ 6 سبتمبر مع ما نشر في اليوم السابق، على ضوء الهجمات الاعلامية على الاتفاقية المذكورة ووصفها بالفساد؛ ما دفع وزارة المعادن لاستصدار بيان نشرته (سونا) وصفت فيه الوزارة الجهات التي نشرت الخبر الاول وروجت للاتفاق بالجهات المغرضة التي تسعى للتشويش- على الرغم من نشر الخبر عبر وكالة السودان للانباء –  وهي الوكالة الرسمية للدولة.

واظهرت البيانات والمعلومات المرصودة تناقضا آخرا، تمثل في سردية سيطرة الحكومة على قطاع الذهب وعدم الامتثال للضوابط الحكومية. فهنالك منشورات تتحدث عن تنظيم القطاع باتباع خطوات لتشكيل قوى مشتركة لتأمين التعدين، ضبط عائدات الصادر وتوجيهها نحو التنمية؛ الا ان ذلك يتنافى مع منشورات تتحدث عن ذهب منهوب ومسارات للتهريب.  وفي ذات الوقت نجد ان هنالك منشورات وتقارير تعضد سردية  كون الذهب جزءا من اقتصاد الحرب نفسه.  هذا لا يعني فقط وجود اختلاف في الزاوية الصحفية، بل يكشف صراعا بين روايتين حول الذهب؛ مما يثير تساؤلات حول ما ان كان الذهب أصل سيادي في يد الدولة، أم مورد متنازع عليه يتسرب من بين أيديها ويعاد توظيفه بعيدا عنها؟

تنافس الخطاب

يكشف الفحص الكمي للبيانات والمعلومات المرصودة عن تقاسم المشهد الاعلامي بين عدة جهات؛ اذ تستحوذ سردية الحكومة في بورتسودان والجهات الموالية لها على نسبة 33.3%، ركزت على اعطاء تطمينات اقتصادية ومحاولة اثبات الكفاءة الادارية والسيادة الميدانية على مناجم الذهب والتعدين وخطوط الصادرات.

وعلى النقيض من ذلك، تكشف مراكز الابحاث المستقلة ومنصات الصحافة الاستقصائية والمنظمات الحقوقية الدولية، التي حصلت منشوراتها على 20.9% من البيانات والمعلومات المرصودة، ان الذهب يعتبر وقودا للحرب. وهذا يعضد سردية ان الذهب يعتبر المحرك المالي الرئيسي لاستمرار الحرب وعنصرا حاسما في تمويل شراء السلاح عبر شبكات الفساد والتهريب العابر للحدود وسماسرة السلاح وفق تقارير منظمةThe Scemtry  بعنوان (حمى الذهب المميتة محاسبة مرتكبي العنف والفساد في السودان)،Brown Land News  بعنوان (ضربة اغبش  تفكيك شريان المال وشبكات الذهب مقابل السلاح) والمبادرة العالمية لمكافحة الجريمة بعنوان (سلاسل التوريد غير المشروعة العابرة للحدود التي تغذي الصراع في السودان).

غطت حوادث المناجم 4.5% من البيانات والمعلومات المرصودة، والتي تركزت على الصراع المباشر والتنافس في السيطرة على المناجم؛ مما اثر على المجتمعات المحلية متمثلا في عمليات الطرد القسري. وابرز تلك الصراعات تصاعد التوترات بولاية البحر الاحمر عقب عمليات طرد واخلاء لمعدنين تقليديين في منطقة ارياب .

اما التحليلات والتقارير الاقتصادية العامة حول الذهب مثلت 41.3% وشكلت الخلفية الفنية للمشهد حيث تنخرط فيها البورصات والمؤسسات الاقتصادية لرصد وتوثيق الاسعار وتقلبات الصادر والدراسات الجيولوجية العامة والفنية مثل دراسات معادن الزيولايت واكتشافات الاحتياطي، دون تبني انحياز أيديولوجي واضح ولكنها تستخدم احيانا كاطار معرفي لدعم السرديات الاخرى.

تكرار السرديات

شيوع السردية الاقتصادية للذهب بوصفه الأداة التعويضية بعد الانهيار الاقتصادي للقطاعات الأخرى (الزراعة، الصناعة …)، لكونه مصدرا سريعا للنقد الأجنبي، رافعة لزيادة الصادرات ودعم احتياطي بنك السودان المركزي، وماعون لتمويل مرحلة التعافي بعد الحرب. فالعناوين المرتبطة بهذه السردية تتحدث عن طفرة في الإيرادات، وتوسيع فرص الاستثمار، وعقد شراكات جديدة، وتأمين قطاع التعدين، وإعادة تنظيم الإنتاج؛ تمنح هذه السردية الذهب مكانة تكاد تكون إنقاذية، وكأنه القطاع الوحيد القادر على بقاء الدولة.

على الرغم من ذلك، فان الرواية لا تبدو متماسكة عند مقارنتها بسردية التهريب والفساد؛ هنا يتحول الذهب من فرصة للازدهار الاقتصادي إلى معضلة لتسرب الموارد، وكذلك من مصدر دخل إلى باب فاقد اقتصادي وأمني. تتحدث بعض المنشورات المرصودة عن خطط استراتيجية لمكافحة التهريب، إدخال تقنيات مراقبة، تفعيل القوانين وملاحقة الشركات المخالفة، بينما تذهب منشورات أخرى أبعد من ذلك لتربط الذهب بشبهات فساد، شبكات مصالح وبمسارات عابرة للحدود تنتهي في مراكز تجارة إقليمية.

يظهر الذهب كأحد مفاتيح تفسير استمرار الحرب، سواء من خلال تمويل الفاعلين، أو عبر الصراع على مناطق الإنتاج، أو في إطار تصورات ما بعد الحرب حيث يجري تقديم التعدين كقاطرة للتعافي. المفارقة أن الخطاب الرسمي يستخدم الذهب في آن واحد لتأكيد القدرة على التعافي الاقتصادي بعد الحرب، بينما تؤكد تحقيقات ومضامين أخرى لإثبات أن الحرب نفسها تتغذى عليه.

أما على مستوى الفاعلين، فتشير المنشورات إلى حضور واضح لمؤسسات مثل وزارة المعادن وبنك السودان ووزارة المالية والشركة السودانية للموارد المعدنية؛ لكن الحضور لا يقتصر على هذه المؤسسات فقط بل هناك اشارات ايضا لطرفي الحرب متمثلة في قوات الدعم السريع والقوات المسلحة السودانية، اضافة لفاعلين خارجيين مثل روسيا أو مصالح عابرة للحدود.

مواقف الفاعلين الأساسيين

تكشف البيانات والمعلومات المرصودة عن بعض التحولات وفقا للتحولات السياسية والعسكرية، يمثل الوزير السابق لوزارة المعادن محمد بشير ابونمو فاعلا اساسيا في صناعة السرديات، اذا شملت البيانات والمعلومات الخاصة به على 11 مادة،  تعكس بعض هذه المواد تحولا استراتيجيا من الدبلوماسية الهادئة الى الهجوم العنيف، ويؤكد هذا التحول تصريحه المنشور بالسوداني وعلى صفحته بالفيسبوك بتاريخ 10 اغسطس 2025م (95% من انتاج الذهب السوداني يتجه للامارات، الاسواق البديلة جاهزة تماما لاستيعاب الصادرات السودانية)، ويوضح هذا كيف تحول الفاعل الرسمي للدولة من موقف المدافع الى مهاجم يسعى لتجفيف منابع الخصم المالية والتوجه نحو الشراكة الاستراتيجة مع روسيا وتركيا.

ووتبنى المؤسسات الصحفية المستقلة مثل شبكة عاين، DW و The Sentry، اضافة للمنظمات الدولية توثيق شبكات الامداد غير المشروعة العابرة للحدود والتي تسهم في اطالة امد النزاع، بينما تتبنى المجتمعات المحلية خطابها على مكافحة الذهب السام التي تستخدم السيانيد والزئبق، فضلا عن التنديد بفساد عقود الشركات واستغلال النفوذ دون تقديم تنمية مجتمعية للمناطق المنتجة، ويقود هذا الاتجاه تجمع الاجسام المطلبية، والتي نشرت تقريرا على صفحتها بالفيسبوك، بتاريخ 3 اغسطس 2025م نقلا عن شبكة عاين بعنوان (الذهب السام: سكان يحتجون على عمليات التعدين في جميع انحاء السودان).

وللحصول على البيانات والمعلومات التي تم جمعها يمكنكم النقر على الرابط التالي

https://narrativedash-v7fohq9y.manus.space