د. عاطف آدم محمد عجيب

قراءة عن كتاب جدلية الأرض والسلام للأديب والباحث منير إلياس

لم يكن الفيلسوف الروماني شيشرون مخطئاً حين قال إن البيت هو أقدس ملاذات الإنسان، لكنه لم يكن يعلم أن الحق في هذا الملاذ سيصبح في القرن الحادي والعشرين ساحةً لصراعات مجتمعية بالغة التعقيد. فحق السكن اللائق – المُكرَّس في المادة الحادية عشرة من العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية – ليس مجرد ضمانة قانونية للحصول على سقف يقي من المطر، بل هو الوتر الحساس الذي تهتز عليه أوتار السلام الاجتماعي أو تنكسر.

تكشف التجربة السودانية في إقليم النيل الأزرق  – كما وثّقها الباحث منير الياس في دراسته القيّمة  جدلية الأرض والسلام – أن الانتهاك الممنهج لحق السكن وملكية الأرض كان الوقود الأساسي الذي أشعل فتيل نزاع مسلح لم يهدأ منذ أكثر من أربعة عقود، هذه التجربة ليست استثناءً، بل هي نموذج مكثّف لظاهرة عالمية يُؤكدها علم دراسات السلام ، لا سلام مجتمعياً حقيقياً دون أمن سكني وعدالة مكانية.

 الأرض والمسكن – أكثر من حجر وطين

حين نتأمل العلاقة بين السكن والسلام المجتمعي، أول ما يقفز إلى الذهن هو البُعد المادي ، توفير مساكن لائقة، تحقيق الأمن العقاري، ضمان عدم التهجير التعسفي ، غير أن دراسات السلام و التنوع الثقافي تكشف أن الأمر يمتد إلى ما هو أعمق من ذلك بكثير.

فالمسكن في وجدان المجتمعات الإنسانية – ولا سيما المجتمعات التي تعيش تداخلاً عضوياً مع أرضها كمجتمعات النيل الأزرق ـ ليس بناءً هندسياً وحسب ، إنه خريطة هوية منقوشة على الجغرافيا ، فيه تُحفظ ذاكرة الأجداد، وتُمارَس الطقوس الاجتماعية، وتُنقَل الحكمة التقليدية بين الأجيال ، حين يُفقد هذا المسكن – سواء بالتهجير القسري أو بانتزاع الأرض لصالح مشاريع الزراعة الآلية كما جرى في شنفور ، بانت ، الرقيبة وغيرها – فإن ما يُفقد معه ليس الجدران بل النسيج الرابط للمجتمع ذاته.

هذا ما نُسمّيه بالأمن الوجودي ، أي الشعور بالاستمرارية الهوياتية المرتبطة بمكان البيت والأرض ، وحين يُهدَّد هذا الأمن تنهار الثقة الاجتماعية، وتتصدع العلاقات بين الجماعات، ويُصبح العنف المسلح في نظر المتضررين خياراً مشروعاً لا بديل عنه – وهذا بالضبط ما أوضحه الكتاب حين تحدث عن مقولة ما وقع حيف إلا وارتفع سيف.

الحرمان من السكن – بوابة الأزمات المجتمعية المتسلسلة

لا يتوقف أثر الحرمان من السكن اللائق عند حدود العائلة المُهجَّرة، بل يُطلق سلسلة من الأزمات المجتمعية المتشابكة يمكن وصفها بـالدومينو الاجتماعي علي النحو التالي:

1/ البُعد الاقتصادي ، حين تُنتزع الأرض الزراعية من أصحابها – كما جرى في إقليم النيل الأزرق حين مُنحت ملايين الأفدنة لشركات الزراعة الآلية – تنهار منظومة الإنتاج المعيشي لمجتمعات بأكملها ، ترتفع البطالة في صفوف الشباب، وتتعمق الفجوة بين المناطق المهمشة والمركز المتحكم بالثروة ، والفقر المستدام – كما يُؤكد علم اقتصاديات الصراع – من أكثر العوامل تغذيةً لمناخات العنف المجتمعي.

2/ البُعد الاجتماعي ، تُفضي المجتمعات المُهجَّرة من أراضيها إلى ظاهرة اللاتجذّر ، حيث تفقد الروابط القبلية والعائلية تماسكها الذي ظل لقرون يوفر شبكات الأمان الاجتماعي ، والفراغ الذي يخلفه هذا التفكك لا يُملأ عادةً بمؤسسات الدولة الغائبة أصلاً، بل يُملأ بالاحتقان والرغبة في الانتقام.

3/ البُعد الثقافي ، حين تُقلَع المجتمعات من بيئاتها الأصلية، تنقطع سلاسل نقل المعرفة التقليدية المتعلقة بالزراعة والرعي وإدارة الموارد الطبيعية، وتُهدَّد اللغات المحلية والممارسات الثقافية ، ومع تراكم هذه الخسائر، يتشكّل ما يُسمّيه العالم يوهان غالتونغ بـالعنف الثقافي ، الذي يُمهّد بدوره لمشروعية العنف المباشر في وعي الجماعات المضطهَدة.

مستويات العلاقة بين السكن اللائق والسلام المجتمعي

يمكن رسم هذه العلاقة عبر ثلاثة مستويات متداخلة علي النحو التالي:

v   المستوى الوقائي ، يُمثّل ضمان حق السكن وأمن الحيازة صمام أمان مجتمعياً يحول دون تحول التوترات إلى نزاعات مسلحة ، فالمجتمعات التي تشعر بالأمن المكاني لا تلجأ إلى العنف لحماية وجودها، لأن قنوات التعبير السلمي لا تزال فاعلة وجديرة بالثقة.

v   المستوى التنموي ، السكن اللائق مدخل لكل أهداف التنمية البشرية المرتبطة بالسلام ، فالمجتمع المستقر سكنياً هو المجتمع القادر على الاستثمار في تعليم أبنائه وصحتهم ومشاركته الاقتصادية ، على النقيض، يُفرز الحرمان المكاني توارثاً للفقر يُعيد إنتاج دوافع الصراع من جيل إلى جيل.

v   المستوى التحويلي ، السكن اللائق في مناطق التنوع الثقافي – حين يصمَّم بما يحترم الخصوصية الثقافية لكل مجتمع، ويتيح فضاءات للتلاقي بين المجتمعات المختلفة – يمكن أن يكون أداةً فاعلة لبناء ثقافة السلام ، فتصميم الفضاء العمراني له دور موثَّق في تعزيز أو تقليص التوترات بين المجتمعات المتجاورة.

سياسة سكنية تُعزز السلام

استلهاماً من التجربة السودانية والمقاربات الدولية المقارنة، نطرح جملة من التوجهات علي النحو التالي:

v   إشراك المجتمعات المحلية في قرارات التخطيط العمراني وإدارة الأراضي، ولا سيما في المناطق التي تسكنها مجموعات متعددة الهوى الثقافي والإنتاجي —رعاة ومزارعين ومستقرين— لضمان أن يُعكس التنوع في بنى الحوكمة المحلية.

v   ربط قضايا السكن بمسارات العدالة الانتقالية في سياقات ما بعد النزاع، إذ لا يكفي توفير مسكن بديل لمن جرى تهجيره، بل يستلزم السلام المستدام الاعتراف الرسمي بالخطأ التاريخي وإعادة الحقوق المسلوبة.

v   الاستثمار في السلام المكاني عبر تخطيط عمراني يُراعي المتطلبات الثقافية الخاصة لكل مجتمع، ويُوفر في الوقت ذاته فضاءات مشتركة تُشجع التفاعل الإيجابي بين المجتمعات المتجاورة.

السقف والسلام وجهان لعملة واحدة

حين كتبت الشاعرة السودانية وفاء محمد ابراهيم حامد المهجّره عن مسكنها و نزحت الي إقليم النيل الازرق.

نيلاً أزرق

حنّ ورقرق

فتح أحضان وقام لمانا

لما جرينا من الدوشكا

ومن الطلقة ومن الدانة

دون مايعرف إيه يدينا

بي نبضات القلب حوانا

سوا شينين سمحين بالفينا

بس لامِّينا

من حب بعضنا مابيحمينا

لا بإسم هوية ولون

لابإسم الدولة سجينة

مهما يكون الحال مأساوي

كلنا واحد مابنتفرق

ولي كل الجروح بنداوي.

في المحصلة، لا يتجلى النزوح في هذه الابيات الشعرية ، كحدث مادي عابر أو مجرد اقتلاع من جغرافيا معينة، بل يبرز كانهيار عميق للعقد الاجتماعي والوجودي بين المواطن والدولة. حين عجزت الهويات التقليدية ومؤسسات الوطن المكبلة عن توفير الحماية، تحول فقدان السكن من خسارة لجدران وسقف إلى تصدع كامل للشعور بالأمان القانوني والمعنوي؛ فالشاعرة هنا لم تكن ترثي غرفاً وتربة وشجراً، بل كانت ترثي أمنها الوجودي، وانتماءها، ومعنى حياتها الذي سحقته آلات القتل ووحشية الاحتلال الذي يسلب الأرض ليمحو الهوية. هذا الفقدان الجذري يعيد تعريف السكن من مساحة مكانية صماء إلى وعي جمعي تتفكك فيه علاقة الفرد بالدولة العاجزة، ليعاد بناؤه كعلاقة أفقية متضامنة بين الضحايا أنفسهم في مواجهة آلات الهدم ومحاولات الاندثار القسري.

ومع ذلك، فإن هذا النص يرفض الاستسلام لمرثية المكان الضائع، ليجعل من المعاناة المشتركة تحت وطأة الحرب والاحتلال شرطاً لولادة سكن وجداني وإنساني جديد يُبنى في قلب لحظة اللجوء ذاتها. ورغم الاغتراب الذي يفرضه الملجأ الجديد، فإن قيم التضامن الإنساني وتضميد الجروح المتبادل تؤسس لـ “بيت” بديل قائم على النجاة المشتركة، حيث لا يملك الحب القدرة على صد الرصاص، لكنه يملك يقيناً القدرة على حماية الجماعة البشرية من التلاشي. إن هذا التحول من تفكك الوطن إلى إعادة تأسيس السكن كالتئام وجداني هو الدرس الأعمق الذي يجب أن يدركه كل صانع سياسة وكل مفاوض سلام في السودان وفي سائر مناطق النزاع والاحتلال حول العالم؛ فالحل لا يبدأ من إعادة إعمار الحجر، بل من استعادة الأمان الوجودي وصون كرامة الإنسان. فالسكن والسقف ليس رفاهية، والأمن المكاني ليس هدية تمنحها الدولة، هما شرطٌ إنسانيٌّ لا تقوم بدونه مجتمعات حقيقية، ولا يتجذّر بغيره سلامٌ مستدام، وما لم تتصالح السياسات العامة مع هذه الحقيقة البسيطة – العميقة في آنٍ واحد – فستظل اتفاقيات السلام مجرد حبر على ورق تنتهي صلاحيتها قبل أن يجفّ مدادها.

المقال مستند إلى منير الياس، جدلية الأرض والسلام ، دراسة عن علاقة ملكية الأرض بالنزاعات المسلحة والسلام بإقليم النيل الأزرق/الفونج، 2026.