بلا أدنى شك، تُعدّ مؤسسات المجتمع المدني السوداني من أبرز الأجسام التي أسهمت، ولا تزال تسهم، بصورة كبيرة في رفع الوعي داخل المجتمع، والمطالبة بالحقوق والحريات، والدفاع عن كرامة الإنسان، فضلًا عن تقديم العون الإنساني للمتضررين والضحايا في مختلف الأزمات التي مر بها السودان.
وقد لعبت هذه المؤسسات، بمختلف تكويناتها ومجالات عملها، دورًا مهمًا في تعزيز قيم التضامن الاجتماعي، وترسيخ مبادئ العدالة والمساواة، والدفاع عن الفئات الأكثر هشاشة، إلى جانب الإسهام في بناء مجتمع واعٍ بحقوقه وقادر على التعبير عن تطلعاته ومطالبه المشروعة.
غير أن حرب 15 أبريل ألقت بظلالها الثقيلة على المجتمع السوداني بمختلف مكوناته، ولم تكن مؤسسات المجتمع المدني بمنأى عن آثارها وتداعياتها. فقد أفرزت الحرب واقعًا اجتماعيًا وسياسيًا بالغ التعقيد، أسهم في تعميق الانقسامات المجتمعية، وتوسيع دائرة الاستقطاب، وإضعاف الروابط الاجتماعية التي كانت تشكل أساسًا مهمًا للعمل المدني المشترك.
وفي ظل هذا الواقع، واجهت العديد من مؤسسات المجتمع المدني تحديات غير مسبوقة، مست استقلاليتها، وأثرت على قدرتها في أداء واجبها تجاه المجتمعات التي نشأت من أجل خدمتها والدفاع عن حقوقها. فقد أصبح بعضها عرضة للاستقطاب السياسي والاجتماعي، بينما وجدت مؤسسات أخرى نفسها أمام ضغوط متزايدة دفعتها إلى الاصطفاف مع أطراف أو مواقف بعينها، الأمر الذي انعكس على ثقة قطاعات من المجتمع في قدرتها على العمل باستقلالية وتجرد.
إن خطورة الانقسام الاجتماعي لا تكمن فقط في اختلاف المواقف السياسية أو تباين وجهات النظر بشأن الحرب، وإنما تمتد إلى تفكك العلاقات الإنسانية والاجتماعية، وتراجع روح التضامن، وتحول الاختلاف من ظاهرة طبيعية في المجتمعات إلى حالة من الإقصاء والتخوين وانعدام الثقة. وعندما تتسلل هذه الظواهر إلى مؤسسات المجتمع المدني، فإنها تهدد رسالتها الأساسية، وتضعف قدرتها على أن تكون مساحة جامعة لمختلف المكونات الاجتماعية، بعيدًا عن الانتماءات السياسية والجهوية والعرقية.
ومن هنا، تبرز أهمية استقلالية مؤسسات المجتمع المدني بوصفها شرطًا أساسيًا لممارسة دورها الرقابي والإنساني والحقوقي. فالاستقلالية لا تعني الانفصال عن قضايا المجتمع أو الوقوف على مسافة واحدة من الظلم والانتهاكات، بل تعني امتلاك القدرة على اتخاذ مواقف تستند إلى المبادئ والمعايير الحقوقية والإنسانية، دون الخضوع لضغوط الأطراف المتصارعة أو الارتهان لأجنداتها السياسية والعسكرية.
كما أن تقديم العون الإنساني والدفاع عن الضحايا يجب ألا يخضعا لمعايير الانتماء الجغرافي أو العرقي أو السياسي، فالمواطن السوداني الذي يعاني ويلات الحرب يستحق الحماية والمساعدة وصون الكرامة الإنسانية، بصرف النظر عن موقعه أو انتمائه أو موقفه من أطراف النزاع.
إن استعادة الدور الفاعل لمؤسسات المجتمع المدني السوداني تتطلب مراجعة نقدية جادة للتجارب والممارسات التي أفرزتها الحرب، والاعتراف بالتحديات التي واجهت العمل المدني، والعمل على معالجة مظاهر الاستقطاب والانقسام داخل هذه المؤسسات. كما تتطلب إعادة بناء الثقة بين المؤسسات والمجتمعات، وتعزيز مبادئ الشفافية والمساءلة، وتوسيع المشاركة المجتمعية، وتطوير آليات تضمن استقلالية القرار المدني ومصادر التمويل، بما يحول دون توظيف العمل الإنساني والحقوقي لخدمة المصالح السياسية أو العسكرية.
وفي المقابل، لا يمكن مطالبة مؤسسات المجتمع المدني باستعادة دورها دون توفير بيئة آمنة تسمح لها بالعمل بحرية، وتحمي العاملين فيها من التهديدات والانتهاكات، وتضمن وصول المساعدات الإنسانية إلى مستحقيها دون عوائق أو تمييز.
ختامًا، فإن التحدي الحقيقي الذي تواجهه مؤسسات المجتمع المدني السوداني اليوم لا يتمثل فقط في الاستمرار في تقديم الخدمات أو تنفيذ الأنشطة الإنسانية والحقوقية، بل في قدرتها على حماية رسالتها من تأثيرات الانقسام الاجتماعي، واستعادة استقلاليتها، والمساهمة في ترميم النسيج الاجتماعي السوداني.
ففي أوقات الحروب والانقسامات، تزداد الحاجة إلى مؤسسات مدنية مستقلة، قادرة على جمع الناس حول القيم الإنسانية المشتركة، ومواجهة خطاب الكراهية والإقصاء، والدفاع عن حقوق جميع المتضررين دون استثناء. ويظل الرهان على قدرة هذه المؤسسات على تجاوز خلافاتها واستعادة ثقة المجتمعات فيها أحد الشروط المهمة لبناء سلام مستدام، وتحقيق العدالة، وإعادة تأسيس دولة سودانية تقوم على المواطنة المتساوية واحترام الحقوق والحريات.
عزالدين المربوع
المحامي
almarbu77@gmail.com
