تقرير:حسين سعد
تشهد الحرب في السودان، التي دخلت عامها الرابع منذ أبريل 2023، تحوّلًا نوعيًا من صراع داخلي بين قوتين مسلحتين إلى أزمة إقليمية ودولية مركّبة تكشف حدود النظام الدولي المعاصر، وتعكس في الوقت نفسه انهيار أدوات إدارة النزاعات في ظل تشابك المصالح وتراجع الإرادة السياسية.
فوفق تقديرات الأمم المتحدة، تسببت الحرب في نزوح أكثر من 14 مليون شخص، فيما يحتاج نحو 34 مليون سوداني إلى مساعدات إنسانية عاجلة، في واحدة من أكبر الأزمات الإنسانية عالميًا. هذه الأرقام لا تعكس فقط حجم الكارثة، بل تشير أيضًا إلى فشل منظومة الاستجابة الدولية في تحويل التوصيف الإنساني إلى فعل سياسي ضاغط يوقف الحرب
أزمة إنسانية ..وصمت دولي:
وفي مايو الحالي كشف مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان، فولكر تورك، عن مقتل ما لا يقل عن 880 مدنياً في السودان جراء هجمات بالطائرات المسيرة خلال الفترة من يناير إلى أبريل ، ومن جهته قال التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي بأن نحو 19.5 مليون شخص في السودان يواجهون مستويات مرتفعة من انعدام الأمن الغذائي الحاد، ما يجعل البلاد ضمن أسوأ بؤر الأزمات الإنسانية عالمياً، وفي المقابل أظهر تقييم دولي حديث أن السودان يواجه ارتفاعًا غير مسبوق في معدلات سوء التغذية بين الأطفال، مع توقعات بوصول عدد المتضررين من سوء التغذية الحاد والوخيم إلى نحو 825 ألف طفل دون الخامسة خلال عام 2026م، وفي المقابل أكد المكتب القانوني للإتحاد النسائي السوداني مقتل ما بين 150 ألفاً إلى 400 ألف مدني منذ اندلاع الحرب، في ظل استمرار تدفق السلاح والدعم الخارجي لأطراف النزاع، وكشف الإتحاد النسائي في بيان له :عن تدهور خطير في الأوضاع الإنسانية، حيث يحتاج نحو 33.7 مليون شخص إلى مساعدات عاجلة، في وقت تتزايد فيه معدلات الجوع وسوء التغذية داخل البلاد وخارجها.
وأشار البيان إلى تصاعد استخدام تكنولوجيا الطائرات المسيّرة في استهداف المدنيين والبنية التحتية، ما أدى إلى مقتل أكثر من 700 مدني منذ بداية العام، بينهم نساء وأطفال، إضافة إلى استهداف الكوادر الطبية، حيث قُتل أكثر من 600 من العاملين في القطاع الصحي، وتعرضت المستشفيات للتدمير وخروج نحو 80% منها عن الخدمة. ومن جهته كشف الخبير الاقتصادي ووزير المالية السابق الدكتور إبراهيم البدوي، في حوار مع صحيفة “صوت الأمة”، عن أرقام صادمة تعكس حجم الدمار الذي لحق بالاقتصاد السوداني جراء الحرب المستمرة، حيث قدّر إجمالي الخسائر بنحو 50 مليار دولار، منها 25 مليار دولار تمثل ناتجًا محليًا مفقودًا، مؤكدًا أن السودان يحتاج إلى سبع سنوات من النمو المتواصل للعودة إلى مؤشرات ما قبل الصراع، مشيراً الي تدمير تدمير سلاسل الإمداد وتضرر 900 منشأة صناعية، بنسبة دمار بلغت 40% للقطاع الصناعي و35% للقطاع الزراعي، فضلًا عن فقدان 5 ملايين وظيفة وارتفاع معدلات الفقر إلى 68%، ليدخل 8 ملايين شخص إضافي دائرة العوز، وحذر البدوي بشدة مما وصفه بـ”المجاعة الصامتة” وتأثيراتها البيولوجية على نمو عقول الأطفال وتكوينهم الجسدي، معتبرًا إياها خطرًا يفوق دمار البنية التحتية، لأنه يغتال رأس المال البشري ويخلق فقرًا عابرًا للأجيال.
الي ذلك قالت منظمة أطباء بلا حدود إن ما يقرب من 350 هجومًا بطائرات مسيّرة نفذتها الأطراف المتحاربة منذ بداية العام الجاري، أثرت في الغالب على مناطق عدة في كردفان ودارفور والنيل الأبيض والنيل الأزرق، وكذلك على أجزاء أخرى من البلاد، محذرة من ازدياد مقلق في هجمات الطائرات المسيّرة، وأوضحت، في بيان لها: أنه من بين هذه الهجمات تم استهداف 31 طريقًا و28 مرفقًا تجاريًا عامًا و11 مرفقًا صحيًا و5 مواقع نزوح و4 مرافق تعليمية.
النظام الدولي وضعف الإرادة:
منذ اندلاع الحرب في أبريل 2023، لم تتوقف مؤسسات مثل الأمم المتحدة ومجلس الأمن عن إصدار البيانات والتقارير والتحذيرات. وقد وثّقت هذه المؤسسات استهداف المستشفيات، وتدمير الأسواق، وانهيار البنية التحتية، ووقائع ترقى إلى جرائم حرب. لكن المفارقة الجوهرية أن هذا التوثيق لم يتحول إلى ضغط حقيقي يغير مسار الحرب. فالنظام الدولي، وفق الحالة السودانية، بدا وكأنه “يصف الأزمة بدقة” لكنه يعجز عن “إيقافها.
هذه الفجوة بين المعرفة والتأثير تمثل أحد أخطر مظاهر الأزمة المعاصرة في بنية النظام متعدد الأطراف، حيث تصبح الشرعية القانونية بلا أدوات تنفيذ، وتتحول قرارات مجلس الأمن إلى نصوص أخلاقية أكثر منها أدوات ردع.
السودان وتضارب المصالح:
لا يمكن فهم فشل التدخل الدولي دون النظر إلى الموقع الجيوسياسي للسودان. فالدولة تقع عند تقاطع البحر الأحمر والقرن الأفريقي وشمال أفريقيا، وتملك موارد استراتيجية تشمل الذهب والأراضي الزراعية والموانئ. هذا الموقع جعل الحرب السودانية ليست مجرد أزمة داخلية، بل ساحة لتقاطع مصالح إقليمية ودولية متنافسة. وبدل أن تكون الوساطات الدولية أداة لفرض السلام، تحولت في كثير من الأحيان إلى مساحات غير متجانسة، تتداخل فيها المصالح مع أدوار الوساطة نفسها
في هذا السياق، فقدت فكرة “الوسيط المحايد” الكثير من معناها، وأصبح الضغط الدولي على أطراف الحرب غير موحد، ما منح النزاع قدرة على الاستمرار وإعادة إنتاج نفسه عسكريًا وسياسيًا.
تشابك المصالح الدولية وإضعاف الوساطة لا يمكن فصل استمرار الحرب عن موقع السودان الجيوسياسي، إذ يقع عند تقاطع البحر الأحمر والقرن الأفريقي وشمال أفريقيا، إضافة إلى ثرواته الطبيعية مثل الذهب والأراضي الزراعية.
هذا الموقع جعل الأزمة السودانية جزءًا من توازنات إقليمية ودولية متداخلة، حيث تتقاطع مصالح قوى متعددة، مباشرة أو عبر وكلاء. ونتيجة لذلك، لم تعد الوساطات الدولية محايدة بالكامل، بل باتت جزءًا من بيئة تنافسية تعيد إنتاج الصراع بدل احتوائه.
في هذا السياق، تفقد الوساطة معناها التقليدي كأداة لحل النزاعات، وتتحول إلى مساحة لإدارة الأزمة دون إنهائها
العجز البنيوي في النظام الدولي كشفته الحالة السودانية ،فرغم كثافة التقارير التي توثق الانتهاكات، بما في ذلك استهداف المدنيين وتدمير المستشفيات والبنية التحتية، فإن الاستجابة الدولية بقيت في إطار الإدانة والدعوات العامة لوقف إطلاق النار.
هذا النمط يعكس ما يمكن وصفه بـ“الشرعية غير الفعّالة”، حيث تمتلك المؤسسات الدولية القدرة على التوصيف القانوني والأخلاقي، لكنها تفتقر إلى أدوات التنفيذ القسري أو فرض التسويات. وبذلك تتحول قراراتها إلى ضغط رمزي أكثر من كونها أدوات تغيير فعلي على الأرض
الخاتمة:
لا تمثل الحرب في السودان مجرد صراع داخلي على السلطة أو النفوذ، بل أصبحت مرآة تعكس أزمة أعمق في بنية النظام الدولي المعاصر. فحين تتعدد المبادرات بلا قيادة موحدة، وتُرتكب الانتهاكات بلا محاسبة، ويُترك ملايين المدنيين بين الجوع والنزوح والموت، فإن المأساة لا تكمن فقط في استمرار الحرب، بل في عجز العالم عن إيقافها
لقد كشفت الحرب السودانية أن القانون الدولي، في كثير من الأحيان، لا يفشل بسبب غياب النصوص، بل بسبب غياب الإرادة السياسية لتطبيقها. وبين المدن المدمرة، والمستشفيات الخارجة عن الخدمة، والأطفال الذين يواجهون المجاعة، تتكشف حقيقة قاسية: أن الضحية في بعض الحروب لا تواجه السلاح وحده، بل تواجه أيضًا صمت المجتمع الدولي (يتبع)
