في عالمٍ تضيق فيه الجغرافيا السياسية بحدودها الصارمة، وتتحول فيه الهوية إلى جدار إسمنتي يفرز البشر بين “مواطن” يحوز الأمان و”لاجئ” يطارده الاغتراب، يبرز سؤال الأمان كمعضلة وجودية وأخلاقية مقلقة. يرفع يوم اللاجئين العالمي في 21 يونيو 2026م شعاره الإنساني الأسمى: “إلى أن يأمن الجميع”، ليضع العالم أمام مرآة مسؤوليته الأخلاقية. غير أن هذا الشعار، في تجلياته السياسية المعاصرة، غالباً ما يُقرأ كنوع من “اليوتوبيا” المؤجلة أو الفضيلة الطوباوية الصعبة التنزيل. لكن، إذا أزحنا المركزية البشرية قليلاً، ونظرنا إلى أنطولوجيا الطبيعة، وتحديداً إلى الفلسفة الوجودية التي تحكم مجتمعات الأشجار الغابية، سنكتشف أن “الأمان المشترك” ليس ترفاً أخلاقياً، بل هو القانون التأسيسي للبقاء، وأن الغابة تمارس هذا الشعار حرفياً منذ ملايين السنين كآلية حيوية وحتمية وجودية.

لقد قامت الفلسفة الغربية لفترة طويلة، متأثرةً بالداروينية الاجتماعية المنحرفة، على تصوير الطبيعة كساحة حرب دموية تحكمها الأنانية المطلقة، حيث “البقاء للأقوى” وحيث كل كائن هو ذئب لأخيه الكائن. بيد أن البيولوجيا الحديثة، حين غاصت تحت تربة الغابات، فككت هذا الوهم الفلسفي، لتكشف عن نظام “الشبكة الفطرية الجذرية” أو ما يمكن تسميته فلسفياً بـ “رحم الوجود المشترك”. عبر هذه الشبكة الممتدة تحت الأرض، لا تعود الشجرة فرداً معزولاً يقاتل من أجل ضوئه الخاص، بل تتحول الغابة إلى “كائن كلي” يتنفس في وعي جماعي. هنا، تلتقي الفلسفة الحيوية بالطرح الأخلاقي لشعار يوم اللاجئين؛ فالأمان في عرف الغابة لا يُعرَّف بأنه حصانة الفرد القوي، بل هو الحالة التي تنتج عن تحصين العضو الأكثر هشاشة في المجموع.

عندما تنبت شتلة صغيرة غريبة، أو تسقط بذرة في بقعة معتمة تحجب عنها الأشجار الباسقة ضوء الشمس، فإنها من منظور إنساني تشبه “اللاجئ” الذي وصل إلى أرض جديدة مجرداً من وسائله الأساسية لإنتاج الحياة. في عالم البشر، قد تُقابل هذه الهشاشة بالإقصاء أو التوجس القانوني والاقتصادي بحجة “محدودية الموارد”. أما في عالم الأشجار، فإن الشجرة الأم، أو الأشجار المجاورة، لا تصنف هذه الشتلة كعبء أو منافس، بل كمستقبل ينبغي تأمينه. يتم ضخ السكريات والمغذيات والكربون عبر القنوات الفطرية إلى جذور تلك الشتلة الضعيفة. فلسفياً، هذا ليس سلوكاً تبرعياً أو شفقة عابرة، بل هو إدراك غريزي بأن استقرار المنظومة البيئية بأكملها يتوقف على عدم السماح بأي انهيار موضعي. الأمان هنا يُمارس كفعل ممتد؛ لا يهدأ ضخ الموارد “إلى أن تأمن” تلك الشتلة وتضرب جذورها في الأرض وتستقل بإنتاجها الضوئي.

إن هذه العقلية الغابية تعيد تفكيك المفهوم الأناني للأمن الفردي. في الفكر البشري المعاصر، تعتقد الدول المضيفة أو المجتمعات المستقرة أحياناً أنها تستطيع بناء واحات أمان معزولة خلف جدران سيادية، تاركةً بؤر اللجوء والنزوح تحترق وراء الحدود. الأشجار تقدم تفنيداً صارماً لهذا الوهم؛ فهي تدرك تماماً أن سقوط شجرة واحدة في الطرف النائي من الغابة، أو موتها بسبب الجفاف أو المرض، ليس حدثاً معزولاً. موت شجرة يعني حدوث فجوة في المظلة الورقية للغابة، ومن هذه الفجوة تتسلل الرياح العاتية التي تملك القدرة على اقتلاع الأشجار العظمى، ومنها تنفذ أشعة الشمس الحارقة التي تجفف رطوبة التربة التي يشترك الجميع في الشرب منها. من هنا، يصبح إنقاذ الشجرة الضعيفة أو المريضة عملاً أنانياً بامتياز في جوهره، ومثالياً في مظهره؛ إنه الفعل الذي يحمي الشجرة الكبيرة نفسها من خطر التآكل اللاحق. الأمان في الغابة حقيقة كلية لا تقبل التجزئة: إما أن يأمن الجميع، أو أن يتجه الجميع نحو الفناء التدريجي.

يمتد هذا التكافل الأنطولوجي إلى آليات “الدفاع المشترك والإنذار المبكر”. عندما تتعرض شجرة ما لهجوم من آفة كيميائية أو حشرية، فإنها لا تنكفئ على ذاتها لتواجه مصيرها في صمت، بل تحول ألمها الوجودي إلى رسالة إنقاذ للآخرين. ترسل نبضات كهربائية عبر الجذور وإشارات كيميائية طيارة عبر الهواء تخبر جاراتها بالخطر القادم. وبمجرد تلقي الإشارة، لا تقف الأشجار الأخرى موقف المتفرج اللامبالي بحجة أن “الخطر لم يطرق بابها بعد”، بل تبدأ فوراً في تعديل تركيبتها البيولوجية لإنتاج ترياق ومضادات تجعل أوراقها سامة للحشرات قبل وصولها. إنها تضامن وجودي يرى في تهديد الآخر تهديداً للذات. هذا السلوك يمثل مرافعة فلسفية ضد الصمت البشري تجاه مآسي المهجرين؛ فالأزمات الإنسانية مثل الأمراض المعدية والآفات، إذا لم يتم التضامن لاحتوائها وتأمين ضحاياها في مهدها، فإنها ستتمدد حتماً لتطال المجتمعات التي ظنت أنها في مأمن.

حتى الجذوع الميتة والقديمة في الغابة تحظى برعاية جماعية؛ إذ يستمر ضخ الحياة إليها لسنوات لمنعها من التحلل السريع الذي قد يخل بتوازن التربة. الغابة لا تتخلى عن ماضيها، ولا تقصي ضعفاءها، ولا تنبذ الوافدين الجدد إليها. إنها تجسيد حي لمفهوم “الضيافة المطلقة” الذي تحدث عنه الفيلسوف الفرنسي جاك دريدا؛ الضيافة التي لا تضع شروطاً مسبقة على الغريب، بل تستقبله كجزء من النسيج الوجودي الضروري لإثراء الحاضر وحماية المستقبل.

حين يسقط هذا الدرس الفلسفي على واقع اللجوء البشري، يتبدى لنا عمق الخلل في المقاربات المعاصرة. إن شعار “إلى أن يأمن الجميع” في سياق يوم اللاجئين ليس مجرد تذكير بوجوب تقديم الخيام والمعونات الغذائية، بل هو دعوة لثورة مفاهيمية في كيفية فهمنا للأمن العالمي. إنه يدعونا إلى الانتقال من “أمن الحدود” إلى “أمن الوجود”. فاللاجئ ليس رقماً في إحصائية، ولا تهديداً للديموغرافيا أو الاقتصاد، بل هو إنسان اقتُلع من أرضه بفعل عواصف الجيوسياسة، تماماً كشتلة اقتلعتها الرياح، وبقاؤه وإعادة إدماجه في تربة مجتمعية آمنة هو الضمان الوحيد لعدم انهيار السلم القومي والعالمي.

إن فلسفة الأشجار تخبرنا بصوت جهير أن الرخاء المعزول هو وهم سريfragmented ووقتي، وأن أي جدار يُبنى لحجب الأمان عن الآخرين هو في الحقيقة جدار يحبس الخوف في الداخل. لا يمكن للإنسانية أن تذوق طعم الاستقرار الحقيقي ما دام هناك فرد واحد يرتجف خوفاً على أطراف المخيمات أو في عرض البحار. إن القوة لا تكمن في القدرة على إقصاء الضعيف، بل في القدرة على احتوائه وتغذيته ليصبح عنصراً فاعلاً في تثبيت الأرض ضد عواصف المستقبل.

في الختام، تقدم لنا الغابة بياناً فلسفياً وعملياً مصاغاً بالماء والضوء والجذور: إن نجاة الكل مشروطة بأمان الجزء الأضعف. ولكي يتحول شعار يوم اللاجئين العالمي من مجرد أمنية سنوية إلى واقع معيش، يتعين على البشرية أن تتخلص من أنانيتها الضيقة وتتعلم من الأشجار كيف تمد جذور التضامن العابر للحدود، وكيف تتقاسم الضوء والموارد، وكيف تحول الإنذار بالخطر إلى هبة جماعية للحماية، لنستمر في العطاء، والاحتضان، والترابط الوجودي العميق، يداً بيد، وجذراً بجذر، إلى أن يأمن الجميع.

يحيى عمر آدم
جامعة الخرطوم، شمبات
22 يونيو 2026 م