بقلم: تجاني الحاج
تُعتبر قضية الأراضي وحقوق الحيازة والاستخدام والملكية التاريخية والعرفية من أحد أكثر محاور الصراع السياسي والاجتماعي والاقتصادي تعقيدًا في تاريخ السودان الحديث. ومن هذا المنطلق، لم تقتصر اتفاقيات السلام المتعاقبة على كونها مجرد تفاهمات لإنهاء الأعمال العدائية فحسب، بل سعت، بدرجات متفاوتة، إلى تفكيك جذور أزمة متعددة الأبعاد من خلال معالجة قضايا الأرض بشكل عام في السودان، والحواكير بدارفور على وجه الخصوص، ليبرز من ذلك، بشكل أصيل ودستوري، الحق في السكن كركيزة أساسية لإرساء السلام المستدام، وإعادة التوطين، والإعمار.
في بلدٍ مثقلٍ بتاريخٍ طويل من الحروب والانقسامات، لا تبدو قضية الأرض في السودان مجرد مسألة قانونية أو سياساتية، بل تمثل جوهر النزاع على السلطة والموارد والهوية والانتماء. فالأرض ليست فقط مساحة للسكن أو الإنتاج المادي، وإنما هي تاريخ وجود اجتماعي، وفضاء مادي تتفاعل فيه العلاقات الاجتماعية والمصالح الاقتصادية والسياسية، من خلال تقاطعات العرفي بالتشريعي، والتاريخي بالسياسي، والإنساني بالحقوقي. لذلك، فقد ظل ملف الأرض وحيازتها بغرض استخداماتها في السكن والأنشطة الزراعية من أكثر الملفات حساسية وتعقيدًا في مسار النزاعات السودانية، ومن أكثرها تأثيرًا على فرص الاستقرار أو تجدد الحرب.
ومن هنا تبرز أهمية اتفاقيات السلام السودانية بوصفها محطاتٍ حاولت، بدرجات متفاوتة، معالجة الجذر العميق لهذه القضية المعقدة، لا مظاهرها الطافية فقط. ما يمكن ملاحظته أن هذه الاتفاقيات لم تتعامل مع الحق في السكن بوصفه حقًا اجتماعيًا يجب التعامل معه ضمن إطار حقوق امتلاك الأرض واستخداماتها فحسب، بل ربطت ما بين منظور واجب الدولة في الإعمار، عودة النازحين، استرداد الممتلكات، بما يفتح الطريق أمام سلامٍ أكثر عدالة واستدامة. ومن خلال قراءة مقارنة لنصوص هذه الاتفاقيات، يتضح كيف تطور هذا الحق من حضورٍ ضمني ومحدود إلى اعترافٍ أكثر صراحة وتفصيلًا، وإن ظلّ التطبيق العملي عاجزًا في كثير من الأحيان عن مجاراة قوة النصوص.
إن التعقيد المرتبط بقضية الأرض في السودان، لا يجد أساسه فقط في المنازعات التقليدية حول ملكية العقار أو حق الانتفاع، سواء بين الأفراد أو بين المجتمعات، أو ما بين المجتمعات والدولة، بل في واقع الأمر ينتهي به التحليل إلى التناقض العميق في بنية الدولة ما بعد الإستعمارية وعلاقاتها التاريخية (السياسية، الاجتماعية والاقتصادية)، والتي تتمظهر من خلال علاقة الدولة أو السلطة المركزية بالمجتمعات، وبين الدولة المركزية والريف السوداني، وبين القانون المكتوب والحقوق العرفية المتوارثة. ومن هذا المنطلق، فإن الحق في السكن لا يظهر في اتفاقيات السلام السودانية بوصفه حقًا اجتماعيًا منفصلًا للأفراد والمجتمعات، بل بوصفه مدخلًا لإعادة تعريف المجال السياسي والاقتصادي والاجتماعي بعد الحرب، وأداة لإعادة توزيع النفوذ السياسي والموارد من خلال المقايضة بالاعتراف القانوني بالوجود المجتمعي على الأرض. ومع ذلك، فإن قراءة مسألة التعامل مع قضية الأرض في اتفاقيات السلام السودانية المختلفة، تُظهر انتقالًا تدريجيًا من التجاهل الضمني لقضية الأرض، إلى الاعتراف الجزئي، ثم إلى الصياغة الأكثر تفصيلًا والتزامًا في اتفاقيتي أبوجا والدوحة. على سبيل المثال، مع بقاء حواجز تطبيق كمعضلة قائمة.
أولًا: من التهميش إلى الاعتراف الضمني:
في اتفاقية أديس أبابا لعام 1972، وكذلك في اتفاقية الخرطوم للسلام عام 1997، لم تكن قضايا الأرض والسكن حاضرة بصورتها المستقلة والواضحة. فقد جرى التعامل معها داخل عناوين عامة مثل السلطة والثروة والترتيبات الأمنية والحدود الإدارية، من دون إفراد حقوق الحيازة أو الملكية التاريخية أو التعويض بموقع مركزي في النص. وهذا الغياب لا يمكن اعتباره مجرد نقص تقني في الصياغة، بل يعكس طبيعة الفهم السياسي للصراع آنذاك؛ إذ كانت الأولوية لإنهاء القتال وإدارة التوازنات، لا لمعالجة الجذور الاجتماعية للنزاع.
في المقارنة مع الاتفاقيات اللاحقة، يبدو هذا المستوى من المعالجة محدودًا جدًا، لأنه لم يتعامل مع الأرض باعتبارها شرطًا للاستقرار المجتمعي وعودة النازحين، بل تعامل معها كجزء من ترتيبات السلطة. ونتيجة لذلك، بقيت أزمة الأرض كامنة، لتعود لاحقًا في صور أكثر حدّة داخل النزاعات المسلحة، خاصة في دارفور والمناطق المتأثرة بالحروب الأهلية.
ثانيًا: اتفاقية السلام الشامل 2005 وبداية التحول المؤسسي:
شكّلت اتفاقية السلام الشامل لعام 2005 نقطة تحولاً رئيسياً في مسار الاعتراف بقضية الأرض. وعلى الرغم من أنها لم تحسم مسألة الملكية بشكل نهائي، إلا أنها أرست مبدأ ذا أهمية بالغة، وهو أن تنظيم حيازة الأرض واستغلالها وممارسة حقوق الملكية ينبغي أن يكون من اختصاص سلطة مشتركة تمارس على مستويات الحكم المختلفة. وتحمل هذه الصياغة دلالة سياسية وقانونية واضحة، إذ تنقل الأرض من موقعها كمسألة إدارية مركزية خالصة، إلى موضوع متعدد المستويات يتطلب مشاركة اتحادية وإقليمية ومحلية. وانتقال التعامل مع مسألة الأرض واستخداماتها، من نطاق الحق الحصري للسلطة المركزية، إلى الحق المشترك على مستويات حكم مختلفة، يعتبر نقلة كبيرة نوعياً.
الأهم من ذلك أن الاتفاقية دعت إلى إنشاء مفوضية قومية للأراضي، وهو تطور مؤسسي مهم، لأنه يعترف ضمنيًا بأن النزاع حول الأرض لا يمكن حله بالخطاب السياسي وحده، بل يحتاج إلى جهاز متخصص للفصل في النزاعات وتقديم المشورة حول إصلاح الأراضي. ويستند هذا الاتجاه إلى منطق عام في الدساتير الانتقالية والاتفاقيات السلمية التي تنقل إدارة الأرض من الاحتكار المركزي إلى الترتيب التشاركي بين مستويات الحكم، وهو ما يتسق مع ما انتهت إليه بروتوكولات السلام السودانية بشأن الأرض بعد 2005.
ومع ذلك، فإن الاتفاقية ظلت حذرة في حسم حقوق الملكية، وهو ما جعلها خطوة تأسيسية أكثر من كونها معالجة مكتملة. وعند مقارنتها بالاتفاقيات السابقة، نجد أن السلام الشامل انتقل من مستوى التلميح إلى مستوى البناء المؤسسي، لكنه لم يصل بعد إلى الاعتراف الصريح بحق السكن كحق قابل للتنفيذ المباشر. لذلك يمكن وصفها بأنها وضعت الإطار العام، بينما تولت اتفاقيتا أبوجا والدوحة تفصيل هذا الحق وربطه بالنازحين واستعادة الممتلكات.
ثالثًا: أبوجا 2006 وتثبيت العلاقة بين السكن والهوية التاريخية:
جاءت اتفاقية أبوجا لسلام دارفور في سياق مختلف، إذ كانت قضية النزوح الجماعي والاقتلاع من الأرض قد أصبحت في قلب الأزمة الإنسانية والسياسية. ولهذا اتخذت الاتفاقية موقفًا أكثر صراحة من الاتفاقيات السابقة، فنصت على ضرورة حماية حقوق ملكية الأراضي القبلية، أو الحواكير، باعتبارها جزءًا من البنية الاجتماعية والتاريخية للمجتمعات المحلية. وتتجلى أهمية أبوجا في أنها ربطت بين الحق في السكن والملكية التاريخية بصورة مباشرة، خاصة حين نصت على استعادة النازحين وغيرهم لحقوقهم في الأرض التي انتزعت منهم بشكل تعسفي وغير مشروع. هنا يتحول السكن من مجرد مأوى مادي إلى حق في العودة إلى المجال الأصلي، وحق في إعادة الاندماج في البنية الاجتماعية والاقتصادية للمجتمع. كما أن الاتفاقية اشترطت التعويض العادل والمشاورات قبل أي تجريد من هذا الحق، وهو ما يعزز البعد الإجرائي للحق في السكن، لا مجرد الاعتراف النظري به.
ومن النصوص الجوهرية في أبوجا:
- المادة (19): نصت صراحة على ضرورة حماية حقوق ملكية الأراضي القبلية (الحواكير).
- البند (158): رسّخ مبدأ استعادة النازحين داخليًا وسائر الأشخاص الآخرين حقوقهم في الأرض التي انتزعت منهم بشكل تعسفي وغير مشروع.
كما أقرت الاتفاقية عدم جواز تجريد أي مجموعة من حقها التاريخي في السكن والوصول إلى الموارد إلا بمشاورات وتعويضات عادلة، وحددت التنمية الحضرية وتوفير الخدمات للقرى والبلدات والمدن كهدف رئيس لتخطيط الأراضي. ومع ذلك، تبقى أبوجا أقل تطورًا من الدوحة من حيث آليات التنفيذ والتفصيل القانوني. فهي تعترف بالحق وتحميه، لكنها لا تذهب بعيدًا في توفير أدوات عملية كافية لتسجيل الأراضي أو تسهيل استردادها على نحو منظم. ومع هذا فإنها تمثل قفزة نوعية في المقارنة مع السلام الشامل، لأنها وضعت الحق في السكن داخل سياق العدالة التاريخية والإنصاف للمجتمعات المتضررة.
رابعًا: وثيقة الدوحة 2011 وتوسيع نطاق الحماية:
إذا كانت أبوجا قد أرست مبدأ حماية الأرض والسكن، فإن وثيقة الدوحة للسلام في دارفور ذهبت خطوة أبعد من خلال تقوية الصياغة القانونية وتوسيع نطاق الضمانات. فقد نصت الوثيقة على استعادة النازحين واللاجئين وغيرهم لممتلكاتهم وحقوقهم في الأرض، مع التعويض العادل والعاجل، وهو تعبير أكثر وضوحًا وإلزامًا من الصياغات السابقة. وتتميز الدوحة كذلك بكونها تربط بين المسار الإنساني والحق في السكن، مما يعني أن توفير المأوى ليس مجرد استجابة طارئة، بل جزء من مسار سلام أشمل. وهذا تطور مهم جدًا، لأنه يعترف بأن الإغاثة المؤقتة لا تكفي من دون إعادة ترتيب العلاقة القانونية والاجتماعية مع الأرض.
ومن أبرز ما جاء به نص الدوحة أيضًا:
- المادة (33)، البند (130): نصت على تلازم المسار الإنساني مع الحق في السكن، وعلى استعادة جميع النازحين واللاجئين والأشخاص الآخرين الذين انتزعت ممتلكاتهم أو حرموا من حقوقهم القانونية في الأرض بصورة تعسفية أو غير قانونية، لممتلكاتهم وحقوقهم في الأرض، مع التعويض العادل والعاجل.
- المادة (36): منحت الأفراد في المجتمعات المحلية الحق في تسجيل الأراضي المملوكة لهم عرفيًا كأراضٍ خاصة بشكل مجاني أو برسوم مخفضة جدًا، مع تسهيل الإجراءات، بما يضمن قانونًا حماية حق السكن واستقرار الأسر.
- المادة (37): نصت على أن تخطيط الأراضي يرتكز في أولوياته على خارطة استخدامات تشمل السكن كبند رئيسي إلى جانب الزراعة والرعي.
وهذه المواد تمثل تطورًا مهمًا، لأنها حاولت الانتقال من الاعتراف المعنوي بالحقوق العرفية إلى تحويلها إلى حقوق قانونية قابلة للحماية. كما أن تحديد السكن كبند رئيسي في تخطيط الأراضي يكشف رؤية أكثر توازنًا لا ترى الأرض فقط باعتبارها مورد إنتاج، بل باعتبارها أيضًا فضاءً للعيش والاستقرار.
وعند مقارنة الدوحة بأبوجا، يمكن القول إن الوثيقة الأخيرة وسّعت أدوات الحماية، وربطت الحق في السكن بإجراءات قانونية وإدارية أكثر وضوحًا، في حين ظلّت أبوجا أكثر تركيزًا على الاعتراف السياسي والرمزي بالحقوق التاريخية.
خامسًا: الفجوة بين النص والتطبيق:
رغم هذا التطور الملحوظ في نصوص الاتفاقيات، فإن المشكلة الجوهرية بقيت في التنفيذ. فالقوانين المركزية الموروثة، مثل قانون الأراضي غير المسجلة لعام 1970 وقانون المعاملات المدنية لعام 1984، استمرت في تكريس سيطرة الدولة على الأراضي غير المسجلة واعتبارها ملكًا خالصًا لها، من دون اعتبار كافٍ للحقوق العرفية والتاريخية. وهذه الفجوة بين نصوص الاتفاقيات والقوانين الوطنية الموجودة أصلا، هي ما جعل كثيرًا من بنود السلام غير قابلة للتفعيل العملي.
هنا يطفو إلى السطح بوضح التناقض الأساسي في التجربة السودانية، والمتمثل في “أن الاتفاقيات تعترف بالحق في السكن وتحاول حماية الأرض كقاعدة للعودة وإعادة الإعمار، بينما القوانين السارية تُبقي على البنية الدستورية، القانونية أذرع التنفيذ القديمة التي أنتجت النزاع أو ساهمت في تعميقه كما هي“. هذا التناقض هو الذي يحول دون أن تتحول نصوص الاتفاقيات ذات الصلة بالتعويض وإعادة التوطين إلى واقع سياساتي، ومؤسساتي مستقر قابل للتطبيق. مما أدى إلى أن يبقي كثير من النازحين عاجزين عن استرداد أراضيهم أو إعادة بناء ديارهم.
هذا يعني أن المشكلة لم تكن في غياب النصوص وحدها، بل في غياب المواءمة التشريعية والإرادة السياسية اللازمة لتحويل النص إلى سياسة عامة، وهذه أزمة بنيوية داخل الدولة وأجهزتها. ومن هنا فإن إعادة الإعمار ليست عملية عمرانية فقط، بل تبدأ بإصلاح منظومة قوانين الملكية واستخدامات الأرض، السياسات العامة والهياكل المؤسسية ذات الصلة.
سادسًا: دلالات الحق في السكن في سياق السلام:
من خلال هذه المقارنة، يتضح إن الحق في السكن في الاتفاقيات السودانية، تطور من فكرة مضمنة داخل الترتيبات العامة لملكية الأرض واستخداماتها، إلى قضية أكثر تحديدًا، ترتبط بحق المتأثرين بالنزاعات من نازحين ولاجئين، وكيفية استعادة ممتلكاتهم وتعويضهم عن الأضرار. وفي ذلك يصبح من الناحية العملية جزءًا أصيلاً ولا غني عنه في أي ترتيبات للعدالة الانتقالية، لأنه يتصل بردّ المظالم، والاعتراف بالهوية، واسترداد الكرامة الاجتماعية، وليس فقط بتوفير مسكن بديل.
وعليه، فإن أهمية الربط بين السكن والإعمار محورية فالسكن الآمن شرط لعودة الحياة الاقتصادية والاجتماعية، والإعمار الحقيقي لا يكتمل من دون تسوية قانونية عادلة للأرض. ومن ثم فإن أي اتفاق سلام يتجاهل هذا البعد يظل ناقصًا مهما كانت قوته السياسية.
في المحصلة النهائية، تكشف تجربة اتفاقيات السلام السودانية أن الحق في السكن لم يكن هامشًا ثانويًا في بناء السلام، بل كان ولا يزال أحد مفاتيحه الأساسية. فكل نص يعترف بالأرض، أو يحمي الحواكير، أو يضمن عودة النازحين، أو يقرّ بالتعويض العادل، إنما يضع لبنة في طريق استعادة الثقة بين الدولة والمجتمع، وبين الإنسان وأرضه، وبين الماضي الجريح وإمكانية المستقبل.
وختاماً، فإن القيمة الحقيقية المضافة لأي اتفاق سلام لا تُقاس بما يُردّد من عبارات جميلة أو ضمانات نظرية، بل بمدى قدرتها الفعلية والعملية على تحويل المبادئ إلى واقع سياساتي ومؤسساتي ملموس في حياة الناس. وهنا بالتحديد تكمن معضلات التجربة السودانية؛ إذ بقيت الفجوة واسعة بين النصوص المتقدمة والقوانين المركزية والهياكل المؤسساتية الموروثة، وبين الاعتراف بالحقوق العرفية وغياب الإصلاح التشريعي والإرادة السياسية. لذلك، فإن إعادة الإعمار في السودان لا يمكن أن تبدأ من الحجر قبل أن تبدأ من العدالة، ولا من البناء قبل أن تبدأ من الاعتراف. إن ضمان الحق في السكن ليس مجرد استجابة لأزمة نزوح أو تهجير، بل هو إعلانٌ بأن السلام الحقيقي لا يُبنى على إسكات البنادق وحده، وإنما على إعادة الكرامة لمن فقدوا ديارهم، والاعتراف لمن سلبت منهم أرضهم، وتمكينهم من العودة إلى أماكنهم كمواطنين كاملين لا كضحايا مؤقتين. ومن ثم، فإن مستقبل السلام في السودان يظل مرهونًا بقدرة الدولة على تحويل هذا الحق من وعدٍ مؤجل إلى ممارسة عادلة وملموسة.
