كلمة العدد | شهادة

اسرة التحرير

لم يكن السكن التضامني بالنسبة لعباس عمر مجرد فكرة عقارية عابرة، بل كان حلماً جماعياً يجمع بين الجوانب الاجتماعية والاقتصادية، حيث يسعى لإعادة تعريف السكن كحق أساسي وليس عبئاً فردياً. في شهادته، كان التشارك في التمويل والبناء وسيلة لفتح أبواب أوسع للجميع، ولإعادة الاعتبار لفكرة البيت كمكان للاستقرار، بعيداً عن أن يكون سلعة يتحكم فيها السوق.

غير أن الحرب جاءت، كما هو المعتاد، لتغير تمامًا مجرى الأمور، فالمشروعات التي كانت تقترب من الاكتمال لم تُدمر بواسطة الجرافات أو القصف المباشر، لكنها تعرضت لضربة من نوع آخر، أكثر قسوة وأطول تأثيراً، حيث توقف مشروع بحري عند خمسة طوابق، وتوقف مشروع النيل عند قربه من الطابق الثالث. ومع هذا التوقف، لم تتوقف فقط الإنشاءات، بل توقفت معها الآمال أيضًا، وتوقفت التدفقات النقدية، وتبددت خطط التوسع، وتكسر الإحساس الطبيعي بأن الطريق لا يزال مفتوحاً أمامنا للمضي قدمًا.

يشارك عباس مشاعره بصراحة، معبرًا عن أن الخسارة الأهم لم تكن فقط في المواد، بل في الزمن أيضًا، هذا المورد الثمين الذي لا يُعوض. يوضح كيف أن تراجع قيمة الأراضي وغياب وثائق التأمين، التي كان يمكن أن تساهم في تخفيف الأثر، جعله يتعلم درسًا قاسيًا ومكلفًا. ومع ذلك، فإن هذا الدرس جعله يعيد التفكير بشكل جدي، ويضع خطة جديدة لمشاريعه القادمة تعتمد على صلابة أكثر وتأمينات جماعية، لم تعد خيارًا، بل أصبح ضرورة لا غنى عنها.

لم تكن الحرب هي الخصم الوحيد، بل كانت المضاربات العقارية أيضًا، خاصة في أوقات الأزمات، تضيف لتعقيد المشهد. عندما يتحول السكن من حق أساسي إلى سلعة تُقاس بالربح والتضخم، ويواجه المجتمع تحديًا جديدًا علي وهو المضاربات. يعتقد عباس أن السكن التضامني لا يعد مجرد حل تقني، بل هو نوع من المقاومة الهادئة من اجل الحق في السكن، لأنه يعيد سعره إلى تكلفة البناء الحقيقية، بدلًا من تذبذب السوق والمضاربة.

بعد الحرب، يبدأ التحدي الأكبر من أجل الأمان؛ لأنه بدون أمان، لا يمكن أن نخطط للاستثمار، ولا البناء، ولا حتى الاستقرار اللي يساعدنا نبني حياة جديدة. ويجي بعده مشكلة انخفاض الدخل اللي تخلّي كثير من الناس يعانون عشان يحققون حلم السكن التقليدي. عشان كذا، يعتقد عباس إن السكن التضامني ممكن يكون خيار عملي وإنساني في نفس الوقت، لأنه يقلل من العبء المالي ويعطي الأسر فرصة للاستقرار، بدل ما يظل حلم البيت مؤجل لوقت غير معلوم.

ويؤكد عباس أن تحقيق النجاح في هذا المسار يتطلب توافر بيئة داعمة من السياسات والتشريعات، بحيث توفر أمنًا مستقرًا، وقانون أراضٍ أكثر حماية، وحوافز تمويلية وضريبية تحفز على التعاون والمشاريع الجماعية. كما يوجه منظمات المجتمع المدني لدورها الحيوي في نشر الوعي بهذا النموذج، الذي لا يقتصر على بناء الجدران فقط، بل يسهم في بناء مجتمع أكثر ترابطًا وقوة، قادر على التعافي والتطور.

وفي النهاية، يعبّر عباس عن رؤية أعمق تتعلق بالتحول في الوعي، بدلاً من التركيز على مشروع معين. الحرب، بما أدَّت إليه من خسائر وتعطيل، جعلت الخيارات الفردية أكثر هشاشة وأقل نفاذاً إلى الواقع. من هنا، يرى أن السكن التضامني ليس مجرد فكرة جميلة، بل ضرورة تفرضها المرحلة، وخياراً يقربنا خطوة نحو حياة أكثر أماناً وإنسانية.