بقلم: سلمى عبدالعظيم
أجد مفردة البيت غريبة،  لا أحسّ تجاهها بشيء، لا حنين يسكنني ولا أشواق تؤرقّ مضجعي، لا أعرف معنى للغرفة ولا للدفء، ربع قرن من الزمان والمكان، فلكلّ زمان مكان مختلف، لا أذكر أننّي اشتقت لوسادة توسّدت عليها ولا أعلم لماذا يتعلّق الناس باللّحف بهذا القدر، كنت أشعر أنهّم غرباء لكني اليوم تأكّدت أننّي الغريبة.. صفنت “منى” للحّظات صمت فيها العالم أجمع، توقفّت أنفاس الفتيات من حولها، بعيون متسّعة وأفواه مفتوحة في اندهاش وترقّب، وبعيون خالية من الحديث أدارت منى نظراتها عليهنّ، ثمّ ضحكت، لتتحركّ الأعين يمنة ويسرة باحثة عن قلوب تبادلها الشعور، واصلت منى.. لما الاندهاش؟؟ اعلم أنّ الأمر يبدو غريباً عليكنّ لكنهّا الحقيقة.

لا أعلم كيف ولدت، ولا أتذكّر سنوات طفولتي الأولى. كلّ ذكرياتي بدأت مع عامي السابع بحسب توقيت أمّي. قالت: إنهّا ولدتني في عام ضرب المصنع.  لم تحدّثني أمّي عن أبي يوماً ولا تاريخ أسرتها، ولا أذكر أقرباء لنا. فكلّ الذين يتردّدون علينا لا يشبهوننا، والغريب في الأمر أننّي لا أشبه أمّي. تمتاز أمّي بجسد فارع وخصر مبروم، أمّا أنا فكما ترونني قصيرة القامة وقليلة الحجم، أبدو خلاسيةّ بينما بشرة أمي شديدة السمرة، شعري متوسّط الطول والنعومة، أمّا هي فتمتلك شعراً أجعد، شفتا أمّي كحبّات القرنفل وبالكاد يتمكّن الآخرون من تمييز شفتي، أنفي صغير ومحدّد، وأنفها كبير وأفطس. عينا أمّي حادّتان وبؤبؤهما شديدا السّواد، أمّا عيناي فهادئتان بعدسات تميل للّون البني، وجهي دائري ممتلئ ووجهها محدّد كالفراعنة، لم يحدث أن ذكرت لي شيئا عن أسرتها، أو المدينة التي تنحدر منها، ما نطقتً بكلمة البيت من قبل فكانت جملتها المعهودة عند كلّ غروب هي “علينا أن نجد مكاناً ننام فيه.”

على الدّوام كنا نمضي النهار متجولّتين في الأسواق، وقرب المّحلّات التجاريّة، يجود علينا الكرام ببعض العملات المعدنيّة ويمنّحنا بعض الناس نظرات مقزّزة. من بين سلّات القمامة كانت أمّي تنتقي لي بعض الحلوى، وشرائح من البسكويت. تحدّثني إنهّا أنظف قمامة هنا ولن يكون بها جراثيم كثيرة وكأنّ جسدي يأبه بها. كنا نتردّد على مطعم بالقرب من موقف المواصلات العّامّة للمدينة، إعتاد صاحب المطعم على منحنا وجبة من بقايا طلبات الزبائن، أذكر جيّداً أوّل مرّة تذوّقت فيها اللحم المشوي على الجمر، تضحك مجدّداً.. لقد تقيّأت بسببه كلّ ما في معدتي الخربة، لم أعهد هذا الطعم من قبل ولا من بعد، فقد حرّمته علي.

في الأيّام القائظة كانت أمّي تبحث عن ظّلٍ وسط الزحام،  فالموقف يفتقر للحيطان والشجر المتناثر تتخّذه بعض النسوة لبيع المشروبات الساخنة، أو تقديم وجبات الطعام البلديّة. أذكر جيّداً كيف كانت أمّي تفكّ ضفائري الّمجدولة بعناية لتعيد تمشيطها من جديد. أظنّ أنهّا كانت تتلذّذ بذاك الفعل، أو أنهّـا تحاول الانشغال حتى الغروب، لنبدأ رحلة العودة من جديد. في كلّ ليّل نمشي على أقدامنا بحثاًعن مكان يصلح للنوم، تارة ننام بالقرب من محطّات الوقود وأخرى في الأزقّة بين المستشفيات، أو الأسواق. في الشتاء كانتّ مجاري مياه الأمطار هي ملجأنا الأكثر دفئاً، أمّا الخريف فكنا نتخّذ من الجسور الطائرة مأوى حيث تقينا أمطار اللّيل المفاجئة، بقيت كلّ سنوات حياتي على هذا المنوال، كلمّا سمعت كلمة البيت مرتّ أمّي بخاطري فهي المأوى الوحيد الذي أعرفه إلى أن اشتعلت الحرب. في ذاك الصباح استيقظنا كعادتنا بلسعات أشعة الشمس وأصوات محرّكات باصات الموقف،  بعد مرور أقل من ساعة دبّت حركة غريبة سمعنا على إثرها ضربات رصاص متفرّقة، هاج الناس وماجوا وبدأ سائقو الباصات إفراغ الموقف، لم نستوعب ما يحدث إلى أن صرخ أحدهم (الحرب دورت)، بعيون وجلة صرخت أمّي” إجري يا منى”، أمسكت يدها، انحنيت نحوها هامسة: “ح نجري سوا”، أوصتني أن أركض مع الآخرين وألّا أفارق خطواتهم لأنجو، لم أك أفهم لماذا تتحدّث عني وتنسى نفسها!؟، بالقرب من الجامعة سقطت إحّدى المقذوفات فاختبأنا تحت الجسر القابع جنوبها. صرخ أحدهم إنّ القذائف لا تسقط في نفس المكان بالتوالي لذا علينا مواصلة المسير، توجّهنا غربا حيث الجسر الرابط بين المدينتين وعلى بعد أمتار من النفق تعثّرت قدمي ووقعت، في ذات اللحظة وقعت مقذوفة على من هم أمامي وطارت إحدى الشظايا لتشقّ أمّي إلى نصفين فأصبحت بلا بيت ولا أم، ما بكيت عليها ولا استطعت مواراتها، شعرت بتصاعد الدّم إلى رأسي حتى ظننته سينفجر، صوت لا أعلم مصدره صرخ بي أنّ أركضي فركضت دون وجهة، أتبع الفارّين حيثما هرولت أرجلهم إلى أن صرت في هذه الخيمة رفقتكن..