بيان بمناسبة اليوم العالمي للسلام 2026
من إسكات البنادق إلى بناء سلام عادل ومستدام في السودان
يحلّ اليوم العالمي للسلام بينما تواصل حرب السودان في حصد الأرواح، وتشريد الملايين، وتدمير سبل العيش والخدمات الأساسية، وتمزيق الروابط الاجتماعية. كما وسّعت الحرب دائرة الانتهاكات ضد المدنيين، علاوة على تفاقم أزمات الجوع، والمرض والنزوح؛ في وقت تتقلص فيه مساحات العمل المدني والصحفي، وتنتشر فيه المعلومات المضللة وخطابات الكراهية والاستقطاب.
إلى جانب آثارها الإنسانية المباشرة، لقد كشفت الحرب عن عمق الأزمات التاريخية المرتبطة بالحكم، والتهميش، وعدم المساواة، والإفلات من العقاب، والتنافس على الأرض والموارد، وضعف مؤسسات الدولة. ولذلك، فإن إنهاء القتال، على ضرورته وإلحاحه، لا يكفي وحده لبناء سلام مستدام.
في هذا اليوم، يؤكد مركز سلاميديا أن السلام في السودان لا يزال ممكنًا، لكنه يتطلب إرادة سياسية حقيقية، وعملية شاملة تضع حياة المدنيين وحقوقهم وكرامتهم فوق الحسابات العسكرية والسياسية.
تظل الأولوية العاجلة هي الوقف الفوري للأعمال العدائية، وحماية المدنيين، وضمان وصول المساعدات الإنسانية، والالتزام بالقانون الدولي الإنساني والقانون الدولي لحقوق الإنسان. ويجب أن يمثّل وقف إطلاق النار مدخلًا لعملية سياسية جادة، لا مجرد هدنة مؤقتة تسمح للأطراف بإعادة ترتيب مواقعها واستئناف الحرب.
إن السلام الذي يحتاجه السودان لا يمكن اختزاله في اتفاق بين الأطراف المسلحة، أو في تسوية تعيد توزيع السلطة من دون معالجة الأسباب الجذرية للنزاع. فالسلام المستدام يتطلب تغيير الظروف والبُنى التي أنتجت العنف، وبناء دولة تقوم على المواطنة المتساوية، تبنِّي مبدأ الحوار، سيادة حكم القانون، الحكم المدني، المساءلة، والتوزيع العادل للسلطة والموارد؛ فضلاً عن التوافق على كيف يُحكم السودان.
كما تتطلب أي عملية سلام ذات مشاركة واسعة وفاعلة، تضمن تمثيل لكل الشرائح من النساء، الشباب، النازحين، اللاجئين، والأشخاص ذوي الإعاقة، ومنظمات المجتمع المدني، والإعلام، القيادات المجتمعية، ومبادرات السلام المحلية؛ ولا ينبغي أن تكون مشاركة هذه الفئات بصورة رمزية أو شكلية، بل يجب أن تمتلك تأثيرًا حقيقيًا في تحديد الأولويات بدءً من صياغة أجندة التفاوض، مقترحات الحلول، إلى اتخاذ القرارات.
وبالرغم من تعثر المبادرات السابقة وتعدد المنابر وتضارب المصالح الإقليمية والدولية، لا تزال هناك فرص يمكن البناء عليها. فقد حافظت المجتمعات السودانية، داخل البلاد وخارجها، على شبكات واسعة من التضامن والاستجابة الإنسانية والعمل المدني. وواصلت غرف الطوارئ والمبادرات المحلية والنساء والشباب والصحفيون والمدافعون عن حقوق الإنسان العمل في ظروف بالغة الصعوبة لحماية الأرواح، وتوثيق الانتهاكات، ومواجهة خطاب الكراهية، والحفاظ على الروابط المجتمعية.
هذه الجهود ليست هامشية، بل تمثّل أساسًا مهمًا لأي سلام قابل للاستمرار، ويمكن الاستفادة منها في عمليات بناء السلام من خلال الربط بين المسارات السياسية الوطنية ومبادرات السلام المحلية، وإشراك المجتمعات في تحديد احتياجاتها، والاستناد إلى خبراتها في التعايش، حل النزاعات وتقديم الدعم للمتضررين.
ولا تفوتنا مناشدة الاتحاد الأفريقي والمؤسسات الإقليمية للعب دور أكبر وأقوى في دعم مسار تقوده الأولويات السودانية تماشياً مع شعار “الحلول الإفريقية للمشكلات الإفريقية”. وذلك يتطلب مستوىً عالياً من التنسيق بين المبادرات المختلفة ضمن إطار واضح ومتكامل يقوم على توسيع المشاركة المدنية، أخذ حماية المدنيين والعدالة وحقوق الإنسان في الاعتبار. كما ينبغي للشركاء الدوليين دعم هذه الجهود بصورة منسقة وشفافة تخلو من تقديم مصالحها الذاتية ومن دون فرض حلول لا تستجيب لتعقيدات الواقع السوداني.
لا يمكن بناء سلام مستدام من دون العدالة؛ فإرجاء المساءلة أو التعامل معها باعتبارها عائقًا أمام التسوية، هو أمر يهدد بإعادة إنتاج العنف واستمراره. يجب أن تشمل عملية السلام مسارات واضحة للحقيقة والعدالة وجبر الضرر والإصلاح المؤسسي، وأن تحفظ حقوق الضحايا وكرامتهم، وتضع حدًا لأنماط الإفلات من العقاب.
كذلك، لا يمكن فصل السلام عن قضايا الأرض والموارد والبيئة والتنمية المتوازنة. فقد أسهمت النزاعات حول ملكية الأرض والوصول إلى الموارد، إلى جانب التهميش التاريخي والتدهور البيئي، في تغذية العنف في مناطق عديدة. ويتطلب السلام المستدام معالجة هذه القضايا بعدالة وشفافية، وبمشاركة المجتمعات المعنية.
و بدوره يتحمل الإعلام مسؤولية خاصة في هذه المرحلة؛ ففي بيئة شديدة الاستقطاب، يمكن للمعلومات المضللة، الخطاب التحريضي والتغطية غير المراعية لحساسية النزاعات، أن تعمّق الانقسام وتعرّض المدنيين للمزيد من المخاطر. وفي المقابل، يستطيع الإعلام المستقل والمهني فتح مساحات للحوار، ومحاربة خطاب الكراهية، ونقل أصوات المجتمعات المتضررة، وتعزيز قيم المساءلة، ومساعدة السودانيين على فهم تعقيدات الأزمة وإمكانات تجاوزها.
وانطلاقًا من التزامه بمرتكزاته المتمثلة في بناء السلام، العدالة الاجتماعية وحقوق الإنسان، سيواصل مركز سلاميديا تقديم معلومات موثوقة ومراعية لحساسية النزاعات، وإبراز أصوات المجتمعات، ودعم الحوار البنّاء، ومناهضة خطاب الكراهية والمعلومات المضللة، والدفاع عن حق السودانيين في المشاركة في صياغة مستقبل بلادهم.
وفي اليوم العالمي للسلام، يدعو مركز سلاميديا أطراف النزاع إلى تغليب حياة المدنيين ووقف الحرب، ويدعو القوى السياسية والمدنية إلى تنسيق الجهود والعمل من أجل تطوير مشروع وطني للسلام الشامل. كما يدعو الفاعلين الإقليميين والدوليين إلى توحيد جهودهم، ودعم المبادرات المدنية والمحلية، وحماية الفضاء المدني والإعلامي المستقل.
لا يحتاج السودان إلى تسوية هشة تؤجل قضاياه الأساسية أو تمهّد لجولة جديدة من العنف، بل يحتاج إلى سلام عادل وشامل ومستدام: سلام يعيد للناس كرامتهم، ويحمي حقوقهم، وينصف الضحايا، ويعالج أسباب الحرب، ويفتح الطريق أمام دولة مدنية تتسع لجميع السودانيين.
فالسلام ليس مجرد غياب الحرب، بل هو حضور العدالة والأمن والحرية والمواطنة المتساوية.
مركز سلاميديا
لنمنح السلام فرصة
21 سبتمبر، 2026م
