بقلم: عادل عبدالله نصرالدين – المحامي
على مدى 37 عاماً، ظل الاختفاء القسري أحد أكثر الملفات الإنسانية والقانونية إيلاماً في السودان، من حقبة بيوت الأشباح والاعتقالات السياسية، مروراً بحروب دارفور وجنوب كردفان والنيل الأزرق، وصولاً إلى الحرب التي اندلعت في 15 أبريل 2023. وبينما تتواصل معاناة آلاف الأسر في البحث عن أبنائها، يظل السؤال الأكثر إلحاحاً: أين ذهب المختفون؟ ومن المسؤول عن مصيرهم؟
إن مأساة الاختفاء القسري لا تتوقف عند لحظة الاعتقال أو الاختطاف، بل تمتد إلى سنوات من الانتظار والقلق والحرمان من معرفة الحقيقة، في ظل غياب سجل وطني موحد وآليات مؤسسية قادرة على البحث والتوثيق والتعرف على الجثامين المجهولة.
أحمد (سمي جدو)
تبدأ القصة بمكالمة هاتفية تلقيتها من امرأة كانت تسأل عن أحوالي وأحوال أبنائي في بلد اللجوء. وخلال الحديث، انفجرت باكية، قبل أن تتمكن من شرح سبب انهيارها، لتروي قصة ابنها البكر أحمد، المعروف باسم «سمي جدو».
قالت إن أحمد كان عائداً من السوق برفقة صديقه علي، عندما أوقفهما أشخاص يرتدون ملابس عسكرية ويستقلون عربة لاندكروزر. ترجلوا من السيارة واقتادوهما إلى جهة مجهولة، ومنذ ذلك اليوم لم تعرف الأسرة مكانهما أو مصيرهما.
أمضت الأسرة قرابة عام في البحث، وطرقت أبواب أقسام الشرطة والارتكازات والسجون ومكاتب الأمن والاستخبارات، لكن الإجابة كانت واحدة: لا يوجد لدينا شخص بهذا الاسم.
قصة أحمد ليست حالة استثنائية، بل تعكس مأساة آلاف الأسر السودانية التي فقدت أبناءها في ظروف الاختفاء القسري، دون أن تحصل على معلومات بشأن أماكن احتجازهم أو مصيرهم.
ووفق الأرقام الواردة في التقرير، هناك نحو خمسة آلاف أسرة تبحث عن مفقوديها منذ اندلاع حرب 15 أبريل، فيما يصل العدد التقديري للأسر المتأثرة بالاختفاء القسري منذ عام 1989، مروراً بحروب دارفور وجنوب كردفان والنيل الأزرق، إلى نحو عشرين ألف أسرة.
فالقتيل، رغم فداحة فقدانه، يمكن لأسرته أن تزور قبره، والمعتقل يمكن البحث عنه في السجون ومراكز الاحتجاز، أما المختفي قسراً فلا تعرف أسرته إن كان حياً أم ميتاً، ولا تملك مكاناً تذهب إليه أو دليلاً تستند إليه.
لذلك تبرز ضرورة إنشاء سجل وطني يحفظ أسماء المختفين وبياناتهم، ويمنع ضياع حقوقهم وحقوق أسرهم.
لماذا استمر الاختفاء القسري 37 عاماً؟
لا يمكن فهم استمرار ظاهرة الاختفاء القسري في السودان بمعزل عن غياب المعالجة الجادة لهذا الملف في اتفاقيات السلام والتسويات السياسية التي شهدتها البلاد.
فقد ركزت اتفاقية السلام الشامل الموقعة في نيفاشا عام 2005 على قضايا تقاسم السلطة والثروة والترتيبات السياسية والأمنية، دون أن تخصص معالجة واضحة لقضية المختفين قسراً أو إنشاء سجل وطني للبحث عنهم.
كما أن اتفاق جوبا لسلام السودان لعام 2020، رغم تخصيصه مساحة لقضايا العدالة، لم يتضمن معالجة مؤسسية متكاملة لقضية الاختفاء القسري أو إنشاء سجل وطني موحد للمفقودين.
إن تجاهل هذا الملف في عمليات السلام يترك الأسر أمام مصير مجهول، ويضعف فرص كشف الحقيقة والمساءلة، ويجعل تكرار الانتهاكات أمراً ممكناً، خاصة عندما لا توجد مؤسسات قادرة على تحديد المسؤولية عن الاعتقال أو الاختطاف أو الاحتجاز غير المعلن.
وفي المقابل، تقدم تجربة كولومبيا نموذجاً مختلفاً؛ إذ خصص اتفاق السلام الموقع عام 2016 جزءاً مهماً لمعالجة قضية المختفين قسراً، وأنشأ وحدة متخصصة للبحث عنهم، بما يعكس أهمية إدراج هذا الملف ضمن أي عملية سلام أو انتقال سياسي.
غياب السجل الوطني..
إن استمرار غياب سجل وطني موحد للمختفين قسراً لا يعني فقط صعوبة معرفة مصيرهم، بل يهدد أيضاً الأدلة والحقوق القانونية والإنسانية المرتبطة بالقضية.
أولاً: ضياع الجثامين إلى الأبد
يشير التقرير إلى وجود أكثر من 1800 جثمان مجهول في مواقع ومشارح من بينها بشائر والتميز ومدني. ومع غياب قاعدة بيانات تربط بين بلاغات الأسر والجثامين الموجودة في المشارح، تظل احتمالات التعرف على الضحايا محدودة، وقد تدفن الجثامين دون تحديد هوياتها.
وتزداد خطورة الأمر مع مرور الزمن، إذ تتعرض الجثامين للتحلل، وتصبح عملية التعرف عليها أكثر صعوبة، خصوصاً في ظل غياب الحفظ السليم والعينات البيولوجية والبيانات المرجعية.
ثانياً: فقدان الأدلة الجنائية
شهدت مناطق في الجنينة والخرطوم عمليات دفن في مقابر عشوائية وحفر ضحلة، وفق ما أورده التقرير. وأي عملية نبش غير منظمة، دون إشراف متخصصين في الأنثروبولوجيا الجنائية والطب الشرعي، يمكن أن تؤدي إلى اختلاط الرفات وتدمير الأدلة المرتبطة بظروف الوفاة.
وهذا لا يمثل خسارة إنسانية فقط، بل قد يؤدي إلى إضعاف الأدلة التي يمكن استخدامها في التحقيقات الوطنية والدولية المتعلقة بجرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية.
ثالثاً: ضياع هوية الأطفال
يشير التقرير إلى وجود نحو 400 طفل تائه في منطقة أدري وحدها. ويشكل الأطفال الذين انفصلوا عن أسرهم خلال الحرب إحدى أكثر الفئات عرضة لمخاطر فقدان الهوية والنسب، خاصة إذا لم يتم تسجيل بياناتهم وصورهم ومعلومات أسرهم بصورة منظمة.
ومع مرور السنوات، قد ينشأ هؤلاء الأطفال في بيئات جديدة دون معرفة هوياتهم الأصلية، وهو ما يجعل إنشاء سجل خاص بالأطفال المفقودين ولمّ شملهم ضرورة إنسانية عاجلة.
رابعاً: تكريس الإفلات من العقاب
إن غياب المعلومات الموثقة عن الأشخاص الذين جرى اعتقالهم أو اختطافهم، والجهات التي اقتادتهم، والأماكن التي احتجزوا فيها، يتيح للمسؤولين إنكار معرفتهم بمصيرهم.
فلا يمكن بناء ملف قانوني متماسك دون توثيق الوقائع والأسماء والتواريخ والشهادات والقرائن، كما أن غياب هذه المعلومات يعرقل تحديد المسؤولية الفردية والمؤسسية.
خامساً: المختفين ضحايا للنسيان
كلما طال الزمن دون توثيق، تراجعت فرص العثور على الأدلة والشهود، وأصبحت ذاكرة الأسر مهددة بالضياع، خاصة مع النزوح واللجوء والتشتت وفقدان الوثائق.
وبذلك يتحول المختفي من إنسان له اسم وأسرة وحقوق إلى مجرد بلاغ قد يختفي مع مرور الوقت.
كيف يمكن البحث عن المختفين قسراً؟
تتطلب معالجة قضية الاختفاء القسري إنشاء منظومة متكاملة تجمع بين التوثيق والبحث العلمي والتحقيق الجنائي والتعاون المجتمعي. ويطرح التقرير أربع آليات رئيسية يمكن البناء عليها.
أولاً: دفتر العائلة الكبير
يمثل إنشاء سجل وطني موحد للمختفين قسراً الخطوة الأساسية لتنظيم عمليات البحث والتوثيق والتعرف على الضحايا.
ويقوم المقترح على إنشاء قاعدة بيانات تتضمن اسم كل مختفٍ وصورته وبياناته الشخصية ورقماً تعريفياً خاصاً به، إلى جانب تاريخ ومكان الاختفاء، والجهة التي يشتبه في مسؤوليتها، والشهود المتاحين، والعينات البيولوجية لأفراد الأسرة، متى أمكن جمعها وفق الضوابط العلمية والقانونية.
ويهدف السجل إلى ربط بيانات الأسر ببيانات الجثامين المجهولة في المشارح والمقابر، بحيث يمكن مطابقة المعلومات وتسهيل عمليات التعرف على الضحايا.
وتكمن أهمية السجل في أربعة جوانب رئيسية:
الحد من الإنكار الرسمي عبر وجود بيانات موثقة يمكن الرجوع إليها.
ربط بلاغات الأسر الموجودة داخل السودان وخارجه بالجثامين المجهولة.
توفير مستندات تساعد أسر المختفين في إثبات حالة الفقدان ومتابعة حقوقها القانونية.
حفظ الذاكرة الوطنية ومنع ضياع المعلومات والأدلة.
ويقترح المقال اعتماد أربعة أدوات لتنفيذ هذا المشروع:
- الرقم الوطني الموحد للمختفين
يقوم المقترح على تخصيص رقم تعريفي لكل مختفٍ، يتضمن رموزاً تشير إلى السودان والمنطقة الجغرافية، مثل الخرطوم ودارفور والجزيرة.
ويستخدم الرقم نفسه في ملف المختفي، وظرف العينة البيولوجية، وملف الجثمان المجهول بالمشرحة، بما يتيح الربط بين البيانات المختلفة ويمنع تكرار الأسماء أو الخلط بينها.
- الاستمارة الموحدة
بدلاً من تعدد الاستمارات واختلاف المعلومات المطلوبة بين المبادرات والمنظمات، يقترح التقرير اعتماد استمارة موحدة تتكون من 15 خانة، تشمل الاسم والصورة والعلامات الفارقة، مثل الكسور والوشوم، وتاريخ ومكان الاختفاء، والجهة التي اقتادت الشخص، وبيانات الشهود.
ويساعد توحيد الاستمارة على تنظيم المعلومات وتسهيل مراجعتها ومقارنتها بين الجهات المختلفة.
- بنك العينات البيولوجية للأمهات
يقترح التقرير إنشاء بنك للعينات المرجعية من أسر المختفين، بالاستفادة من العينات البيولوجية للأمهات، بما يساعد في إجراء المطابقات الجينية مع الجثامين مجهولة الهوية.
وتتطلب هذه العملية بروتوكولات علمية معتمدة لجمع العينات وحفظها وترميزها، وضمان سريتها وحماية بيانات أصحابها، وعدم استخدامها خارج الغرض الذي جمعت من أجله إلا وفق الضوابط القانونية وموافقة أصحابها.
- قاعدة بيانات إلكترونية تعمل دون إنترنت
يقترح المقال استخدام برنامج KoboToolbox لإنشاء قاعدة بيانات يمكن تشغيلها دون اتصال بالإنترنت، مع الاحتفاظ بنسخ احتياطية في مواقع جغرافية مختلفة، من بينها القاهرة وكمبالا، إلى جانب نسخة محلية.
كما يطرح فكرة أن تتولى لجنة مستقلة تمثل أسر المختفين إدارة السجل، بما يضمن مشاركة الأسر في عملية التوثيق والرقابة على البيانات.
غير أن نجاح هذا المقترح يتطلب وضع نظام محكم لحماية المعلومات الشخصية، وتحديد صلاحيات الوصول، والتشفير، ومنع تسريب البيانات التي قد تعرض الأسر أو الشهود أو المدافعين عن حقوق الإنسان للخطر.
ثانياً: الأنثروبولوجيا الجنائية..
لا يمكن التعرف على جميع الجثامين مجهولة الهوية من خلال الملامح أو الصور، خاصة عندما تكون قد تعرضت للتحلل أو الدفن لفترات طويلة أو اختلطت الرفات داخل المقابر الجماعية.
تبرز أهمية الأنثروبولوجيا الجنائية، وهي علم متخصص في دراسة الرفات البشرية والاستفادة من الخصائص التشريحية للعظام في تحديد هوية المتوفين والمساعدة في معرفة ظروف الوفاة.
ويشير المقال إلى أن أكثر من 1800 جثمان في مشارح بشائر والتميز ومدني تعرضت للتحلل في ظروف صعبة خلال عام 2023، كما جرى دفن ضحايا في مقابر عشوائية بمناطق مختلفة، الأمر الذي يجعل الاستعانة بالمتخصصين أمراً ضرورياً.
ومن خلال فحص العظام، يمكن للمتخصصين تقدير العمر والجنس والطول والخصائص الجسدية، إلى جانب دراسة الكسور القديمة وآثار الإصابات التي قد تساعد في مطابقة الرفات مع المعلومات التي تقدمها أسر المختفين.
فعلى سبيل المثال، إذا أفادت أسرة بأن ابنها تعرض لكسر في يده خلال طفولته، فقد تساعد آثار الكسر القديم بعد فحصها ومقارنتها بالسجلات الطبية أو المعلومات المتاحة في دعم عملية التعرف على هويته.
كما يمكن أن يوفر فحص الرفات أدلة حول الإصابات وظروف الوفاة، بما في ذلك بعض المؤشرات المرتبطة بالتقييد أو العنف، على أن يتم تفسير هذه النتائج في إطار تحقيق جنائي متكامل، وبالاستعانة بأطباء الطب الشرعي والمتخصصين في الأدلة الجنائية.
وتكمن أهمية هذا العلم في أنه لا يقتصر على تحديد هوية الضحية، بل يمكن أن يسهم في حفظ الأدلة وتوثيق ظروف الوفاة، بما يساعد في التحقيقات المتعلقة بالانتهاكات الجسيمة.
إن التعامل مع المقابر الجماعية لا ينبغي أن يتم عبر عمليات نبش عشوائية، بل من خلال فرق متخصصة تعمل وفق معايير علمية تحفظ الرفات والأدلة وتضمن إمكانية استخدامها في عمليات التعرف والتحقيق والمساءلة.
خاتمة الحلقة الأولى
إن مأساة المختفين قسراً في السودان ليست مجرد قضية إنسانية مؤجلة، بل اختبار حقيقي لقدرة المجتمع والدولة على حماية الحق في الحياة والكرامة والحقيقة والعدالة. وبينما تتزايد مخاطر ضياع الجثامين والأدلة وهويات الأطفال، يصبح إنشاء سجل وطني موحد وتطوير قدرات البحث الجنائي والأنثروبولوجيا ضرورة لا تحتمل التأجيل.
لكن السودان ليس البلد الوحيد الذي واجه هذه المأساة؛ فقد خاضت دول أخرى تجارب طويلة في البحث عن المختفين واستعادة هوياتهم ومحاسبة المسؤولين عن اختفائهم. فماذا يمكن أن نتعلم من الأرجنتين وكولومبيا؟ وما الدور الذي ينبغي أن يضطلع به المجتمع المدني والصحافة في هذه المعركة؟ ذلك ما نتناوله في الحلقة الثانية.
…………………….
88888888888888888888888888888888888888888888888888888
من تجارب الأرجنتين وكولومبيا إلى دور المجتمع المدني وجبر الضرر(2-2)
بقلم: عادل عبدالله نصرالدين – المحامي
لا تنتهي قضية المختفين قسراً بمجرد العثور على جثمان أو تحديد مكان احتجاز شخص، بل تبدأ بعدها أسئلة الحقيقة والمحاسبة وجبر الضرر وضمان عدم تكرار الجريمة. وقد أثبتت تجارب دولية، خاصة في الأرجنتين وكولومبيا، أن البحث عن المختفين يحتاج إلى إرادة سياسية ومؤسسات متخصصة ومشاركة واسعة من أسر الضحايا والمجتمع المدني.
وبالنسبة للسودان، فإن الاستفادة من هذه التجارب تقتضي الانتقال من التعامل مع الاختفاء القسري باعتباره قضية إنسانية منفصلة إلى اعتباره ملفاً أساسياً من ملفات العدالة الانتقالية وبناء السلام.
ماذا يتعلم السودان من الأرجنتين وكولومبيا؟
تقدم التجربتان الأرجنتينية والكولومبية نماذج مهمة يمكن الاستفادة منها في معالجة قضية الاختفاء القسري في السودان، خاصة في مجالات البحث عن المفقودين، والتعرف على الرفات، وتوثيق الأدلة، وإشراك الأسر في عمليات البحث.
أولاً: التجربة الكولومبية..
تواجه كولومبيا منذ عقود أزمة واسعة من الاختفاء القسري، ارتبطت بالنزاعات المسلحة وتعدد الجماعات والقوات المتورطة في الانتهاكات.
ويشير المقال إلى أن عدد المفقودين في كولومبيا بلغ 121,768 شخصاً، وهو ما يعكس حجم التحدي الذي واجهته البلاد في البحث عن الضحايا وتحديد مصيرهم.
ومن أبرز الآليات التي أنشأتها كولومبيا وحدة البحث عن الأشخاص المفقودين، المعروفة اختصاراً باسم UBPD، وهي مؤسسة إنسانية متخصصة أنشئت في إطار اتفاق السلام لعام 2016.
وتتميز هذه الوحدة بأن مهمتها الأساسية البحث عن الأشخاص المفقودين وتحديد مصيرهم ومواقع دفنهم، وليست مؤسسة قضائية أو نيابة جنائية.
وتقوم فلسفة هذه الآلية على تشجيع الأشخاص الذين يمتلكون معلومات عن أماكن دفن الضحايا أو مصيرهم على تقديمها، دون أن يكون الغرض من عملية البحث نفسها إجراء محاكمات جنائية.
ويطرح المقال أهمية الاستفادة من هذا النموذج في السودان، عبر إنشاء وحدة إنسانية مستقلة للبحث عن المختفين، تكون مهمتها الوصول إلى الحقيقة وتحديد أماكن الرفات والتعرف على الضحايا.
وتتطلب هذه الآلية ضمانات قانونية واضحة، بحيث لا يؤدي تقديم المعلومات الإنسانية إلى تعطيل العدالة أو منح حصانة من المساءلة عن الجرائم الجسيمة، مع الفصل بين عملية البحث الإنساني وإجراءات التحقيق والمحاسبة القضائية.
البحث العكسي.. أين توجد المقابر؟
من الدروس المهمة في التجربة الكولومبية اعتماد ما يمكن تسميته بالبحث العكسي، أي عدم الاكتفاء بالبدء من أسماء الأشخاص المفقودين، بل البحث أيضاً عن أماكن المقابر والجثامين المجهولة، ثم محاولة الوصول إلى هويات أصحابها.
وتقوم هذه المنهجية على جمع المعلومات من الأشخاص الذين قد تكون لديهم معرفة غير مباشرة بعمليات الدفن أو نقل الجثامين، مثل سائقي الشاحنات، وعمال المقابر، والعاملين في المشارح، والأشخاص الذين شاركوا في نقل الجثامين أو شاهدوا عمليات الدفن.
وفي الحالة السودانية، يمكن الاستفادة من هذا الأسلوب عبر البحث عن سائقي المركبات التي نقلت الجثامين خلال الحرب، وعمال المشارح، والعاملين في المقابر، وكل من يمتلك معلومات يمكن أن تساعد في تحديد مواقع الدفن أو التعرف على الضحايا.
إن البحث عن المختفين لا ينبغي أن يقتصر على انتظار بلاغات الأسر، بل يجب أن يتحول إلى عملية استقصاء ميداني منظمة تشمل مواقع الاحتجاز المحتملة والمقابر والمشارح وشهادات الناجين والشهود.
ثانياً: التجربة الأرجنتينية..
تعد التجربة الأرجنتينية من أبرز التجارب الدولية في مواجهة الاختفاء القسري، خاصة خلال الحكم العسكري بين عامي 1976 و1983، عندما تعرض آلاف الأشخاص للاختفاء في سياق القمع السياسي.
ويشير المقال إلى أن عدد المختفين خلال تلك الفترة بلغ نحو 30 ألف شخص.
وفي مواجهة هذه الجريمة، برزت حركة أمهات وجدات ساحة مايو، التي تحولت إلى رمز عالمي لنضال أسر المختفين من أجل معرفة الحقيقة واستعادة أبنائها وأحفادها.
لم تكن لدى الأمهات والجدات في بداية تحركهن قواعد بيانات إلكترونية أو تقنيات حديثة لتحليل الحمض النووي، لكنهن امتلكن الإرادة والإصرار على عدم السماح بنسيان أبنائهن.
احتفظن بالمعلومات والصور والأسماء والبيانات، ونظمن جهودهن في البحث والمناصرة، وواصلن الضغط على السلطات والمجتمع الدولي لكشف مصير المختفين.
وكان لهذا العمل دور مهم في استعادة عدد من الأطفال الذين اختفوا خلال فترة الحكم العسكري، بعدما جرى فصلهم عن أسرهم أو تغيير هوياتهم.
ويشير المقال إلى استعادة 130 طفلاً، أصبحوا رجالاً ونساءً بعد مرور سنوات طويلة، وتمكنوا من التعرف على هوياتهم وأسرهم بفضل الجهود المستمرة للجدات والباحثين والمتخصصين.
كما لعب الفريق الأرجنتيني للأنثروبولوجيا الجنائية (EAAF)، الذي تأسس عام 1984، دوراً بارزاً في فحص المقابر الجماعية والتعرف على الرفات البشرية، مستخدماً أساليب علمية ساعدت في تحديد هويات الضحايا وتوثيق الأدلة.
ما الدرس الذي يمكن أن يستفيده السودان؟
إن أبرز ما تقدمه التجربة الأرجنتينية للسودان هو أهمية دور الأسر في قيادة عملية البحث وعدم ترك القضية رهينة للسلطات أو المؤسسات الرسمية وحدها.
فالأم التي تحتفظ بصورة ابنها، والجدة التي تسجل بيانات حفيدها، والزوجة التي تحتفظ ببلاغ الاختفاء، جميعهم يمثلون جزءاً أساسياً من الذاكرة الجماعية التي يمكن أن تساعد في الوصول إلى الحقيقة.
كما أن توثيق المعلومات منذ اللحظة الأولى للاختفاء، والاحتفاظ بالأرقام والوثائق والصور والعينات البيولوجية، يمكن أن يصنع فارقاً كبيراً بعد سنوات طويلة.
إن السجل الذي تحتفظ به أسرة المختفي قد يصبح مستقبلاً أحد أهم الأدلة التي تساعد على تحديد هويته، ولذلك فإن حماية المعلومات وعدم إتلافها ليست مسألة إدارية، بل مسؤولية إنسانية وقانونية.
ثالثاً: دور المجتمع المدني..
لا يمكن أن تظل مسؤولية البحث عن المختفين قسراً حكراً على الدولة، خاصة في ظل النزاع المسلح وضعف المؤسسات وتشتت الأسر بين المدن ومناطق النزوح واللجوء.
وتبرز أهمية منظمات المجتمع المدني والمبادرات الحقوقية في إنشاء منظومة مستقلة للرصد والتوثيق والمناصرة، تعمل بالتنسيق مع أسر المختفين والجهات المختصة.
ويمكن أن يقوم هذا الدور على خمسة مسارات أساسية:
- إنشاء مراصد محلية للمختفين قسراً
يقترح المقال إنشاء مراصد متخصصة في الولايات والمدن التي تستضيف النازحين واللاجئين، تكون مهمتها رصد حالات الاختفاء القسري وتوثيقها بصورة يومية.
وتشمل مهام هذه المراصد جمع البيانات، والتحقق من المعلومات، وتسجيل الشهادات، وإجراء المقابلات مع أسر المختفين، وتحديد ظروف الاختفاء والأماكن والجهات المشتبه في تورطها.
كما ينبغي تدريب المدافعين عن حقوق الإنسان والمتطوعين على منهجيات التوثيق الحقوقي، وأساليب إجراء المقابلات التي تراعي الحالة النفسية للأسر، وتجنب إعادة تعريض الضحايا وذويهم للأذى النفسي.
فالمرصد الحقوقي ليس مجرد جهة لجمع الأسماء، بل مؤسسة للرصد والتحقق وحفظ الأدلة ومتابعة تطورات الحالات.
- حملات المناصرة بأصوات أسر المختفين
يؤكد المقال أن أسر المختفين يجب أن تكون في مقدمة حملات المناصرة، لا أن يتحدث الناشطون والمنظمات نيابة عنها بصورة دائمة.
ومن المهم تنظيم الندوات والمنتديات والفعاليات العامة التي تتيح للأمهات والآباء والزوجات والأبناء سرد تجاربهم، والمطالبة بالكشف عن مصير ذويهم.
إن شهادة أم تبحث عن ابنها، وتروي تفاصيل يوم اختفائه والملابس التي كان يرتديها وآخر مكان شوهد فيه، يمكن أن تكون ذات تأثير إنساني وإعلامي كبير، كما يمكن أن تقدم معلومات مهمة لجهات التحقيق والبحث.
ويجب أن تراعي هذه الحملات رغبة الأسر وموافقتها، وألا يؤدي نشر الصور والأسماء والتفاصيل إلى تعريضها أو الشهود للخطر.
- رفع وعي المجتمعات بأهمية التبليغ
قد يمتلك بعض المواطنين معلومات عن مواقع احتجاز غير رسمية أو عمليات اختطاف أو نقل جثامين، لكنهم لا يبلغون عنها بسبب الخوف أو عدم معرفة الجهات التي يمكن التواصل معها.
ومن هنا تبرز الحاجة إلى حملات توعية مبسطة باللهجة السودانية واللغات المحلية، توضح للمواطنين كيفية الإبلاغ عن حالات الاختفاء أو المعلومات المتعلقة بمراكز الاحتجاز والمقابر المجهولة.
كما ينبغي توفير قنوات اتصال آمنة وسرية، تضمن حماية هوية المبلغين والشهود، وتمنع تسرب المعلومات التي يمكن أن تعرضهم للانتقام.
إن إشراك المجتمعات المحلية في عملية الرصد والتبليغ يمكن أن يشكل شبكة إنذار مبكر تساعد في حماية الأدلة والوصول إلى المعلومات قبل ضياعها.
- دور الصحافة والإذاعات المجتمعية
تلعب الصحافة دوراً محورياً في تحويل حالات الاختفاء القسري من بلاغات فردية معزولة إلى قضية رأي عام تتطلب استجابة رسمية ومجتمعية.
ويقترح المقال تخصيص برنامج أسبوعي ثابت بعنوان «أين أولادنا؟»، يعرض في كل حلقة صورة أحد المختفين وبياناته الأساسية ورقمه التعريفي، مع تخصيص وسيلة آمنة للتواصل وتقديم المعلومات.
ويمكن أن تتكامل الصحافة المكتوبة والإذاعات والمنصات الرقمية في نشر قصص الأسر، وإجراء التحقيقات الاستقصائية، ومتابعة البلاغات، وكشف أوجه القصور في الاستجابة الرسمية.
كما يمكن للإعلام أن يسهم في بناء أرشيف وطني يوثق حالات الاختفاء القسري، ويحتفظ بالشهادات والصور والبيانات، بما يساعد الباحثين والحقوقيين وجهات التحقيق في المستقبل.
لكن هذا الدور ينبغي أن يراعي أخلاقيات النشر، ويحترم خصوصية الأسر، ويتجنب نشر المعلومات الحساسة التي قد تعرض الشهود أو الناجين أو ذوي المختفين للخطر.
- تقديم مذكرات إلى الأمم المتحدة
من المهم أن تعمل منظمات المجتمع المدني على تقديم مذكرات دورية إلى الأمم المتحدة وآلياتها المعنية بالاختفاء القسري، تتضمن معلومات موثقة عن الحالات والانتهاكات والجهات المشتبه في مسؤوليتها.
ويشمل ذلك التواصل مع الفريق العامل المعني بحالات الاختفاء القسري أو غير الطوعي، والآليات الدولية ذات الصلة، والمطالبة بالتحقيق في البلاغات ومتابعتها، وتعزيز الوصول إلى المعلومات المتعلقة بأماكن الاحتجاز.
كما ينبغي المطالبة بتمكين المنظمات الحقوقية والجهات المستقلة من الوصول إلى المعلومات المتاحة عن المحتجزين، ومتابعة أوضاعهم، والتحقق من مصير الأشخاص الذين انقطعت أخبارهم.
إن الضغط الدولي، عندما يستند إلى معلومات دقيقة وموثقة، يمكن أن يساعد في فتح ملفات ظلت مغلقة لسنوات، ويعزز فرص حماية الضحايا والشهود.
لا سلام دون جبر الضرر
لا يمكن بناء عدالة انتقالية حقيقية في السودان دون وضع قضية المختفين قسراً في قلب العملية، باعتبارها واحدة من أكثر الجرائم التي خلفت آثاراً ممتدة على الأسر والمجتمعات.
فالعدالة الانتقالية لا تقتصر على محاكمة المسؤولين عن الانتهاكات، وإنما تشمل أيضاً كشف الحقيقة، والمحاسبة، وإصلاح المؤسسات، وجبر الضرر، وضمان عدم تكرار الجرائم.
وفي هذا الإطار، يطرح التقرير أربعة أركان أساسية لمعالجة قضية المختفين:
أولاً: كشف الحقيقة
لا يمكن الوصول إلى الحقيقة دون قاعدة بيانات موحدة تجمع المعلومات المتعلقة بالمختفين، وتربط بين بلاغات الأسر وملفات الاحتجاز والجثامين مجهولة الهوية والمقابر الجماعية.
ويشمل الحق في معرفة الحقيقة تحديد ظروف الاختفاء، ومكان الاحتجاز، والجهة المسؤولة، ومصير الشخص، ومكان دفنه إذا ثبتت وفاته.
ثانياً: المحاسبة
يمثل التوثيق أساساً مهماً لفتح التحقيقات الجنائية، وتحديد المسؤوليات الفردية والمؤسسية.
وكلما كانت المعلومات أكثر دقة، أمكن بناء ملفات تستند إلى الشهادات والوثائق والأدلة المادية والعلمية.
ويشير التقرير إلى أهمية تجربة كولومبيا في الربط بين بيانات المفقودين والجثامين المجهولة، باعتبار ذلك من الأدوات التي يمكن أن تسهم في بناء ملفات المساءلة.
ثالثاً: الإصلاح المؤسسي
لا يقتصر الهدف من توثيق حالات الاختفاء على تحديد مصير الضحايا، بل يمتد إلى معرفة الأنماط والجهات التي تكررت فيها الانتهاكات.
فإذا أظهرت البيانات أن حالات الاختفاء وقعت بصورة متكررة عند ارتكازات معينة، أو داخل منازل ومقار احتجاز غير معلنة، فإن ذلك يمكن أن يساعد في تحديد المؤسسات والوحدات التي ينبغي إخضاعها للإصلاح والمساءلة.
كما يمكن أن يسهم التوثيق في وضع ضمانات قانونية وإدارية تمنع الاعتقال خارج إطار القانون أو احتجاز الأشخاص دون تسجيل رسمي.
رابعاً: جبر الضرر.. حقوق الأسر والضحايا
يمثل جبر الضرر أحد أهم مكونات العدالة الانتقالية، لأنه يعالج الآثار الإنسانية والاجتماعية والاقتصادية والنفسية التي خلفتها جريمة الاختفاء القسري.
ويطرح التقرير خمسة أشكال لجبر الضرر:
أ- جبر الضرر بالاعتراف
تحتاج أسرة المختفي إلى اعتراف رسمي بواقعة الاختفاء، ووثيقة تثبت تسجيل الحالة في السجل الوطني الموحد، وتؤكد أن الدولة تعترف بوجود بلاغ يتعلق بمصير شخص مفقود وتلتزم بالبحث عنه.
وهذه الوثيقة لا تعني بالضرورة إثبات الوفاة، وإنما تمثل اعترافاً رسمياً بحالة الفقدان وحقوق الأسرة في متابعة القضية.
ب- جبر الضرر بكشف الحقيقة
لا يمكن أن تتجاوز الأسرة مأساة الاختفاء دون معرفة ما حدث لابنها أو زوجها أو والدها.
فالسؤال الأساسي الذي يظل يلاحق الأسر هو: هل المختفي على قيد الحياة؟ وإذا كان قد توفي، فأين دفن؟ وما الظروف التي أدت إلى وفاته؟
إن معرفة الحقيقة تمثل حقاً أصيلاً للأسر، وجزءاً أساسياً من إعادة الاعتبار للضحايا.
ج- جبر الضرر المادي
يؤدي الاختفاء القسري إلى آثار اقتصادية وقانونية واسعة، خاصة عندما يكون المختفي هو المعيل الرئيسي للأسرة.
وقد تواجه الزوجة صعوبات تتعلق بالمعاش والميراث والوضع القانوني للزواج، في ظل عدم معرفة ما إذا كان الزوج حياً أم متوفى.
وتبرز الحاجة إلى تشريعات وإجراءات قانونية واضحة تنظم إثبات حالة الفقدان، وتحمي حقوق الزوجة والأطفال والورثة، دون إجبار الأسرة على انتظار سنوات طويلة لمعرفة مصير المختفي.
د- جبر الضرر الرمزي
يشمل ذلك تخليد أسماء المختفين في نصب تذكارية وطنية، وإحياء ذكرى الضحايا، وتخصيص مناسبات وطنية للتذكير بحقوقهم ومطالب أسرهم.
ويقترح المقال الاستفادة من اليوم الدولي لضحايا الاختفاء القسري، الموافق 30 أغسطس من كل عام، في تنظيم فعاليات وطنية لتكريم الضحايا وإبقاء القضية حاضرة في الذاكرة العامة.
هـ- ضمان عدم التكرار
لا تكتمل العدالة بمجرد كشف مصير المختفين أو محاسبة المسؤولين عن الجرائم، بل ينبغي وضع ضمانات تحول دون تكرارها.
ومن بين المقترحات اعتماد قانون يلزم جميع القوات والأجهزة المختصة بتسجيل أي شخص يتم توقيفه في سجل مركزي خلال 24 ساعة، مع تحديد مكان احتجازه والجهة المسؤولة عنه، وتمكين أسرته والجهات الرقابية من الوصول إلى المعلومات وفق القانون.
إن ضمان عدم التكرار يتطلب أيضاً إصلاح المؤسسات الأمنية والعسكرية والعدلية، وتعزيز استقلال القضاء، ومراقبة أماكن الاحتجاز، وتجريم الاعتقال السري والاحتجاز خارج القانون.
لماذا يجب أن يبدأ السودان الآن؟
لقد أظهرت التجارب الدولية أن التأخر في البحث عن المختفين يؤدي إلى ضياع الأدلة وتراجع فرص التعرف على الضحايا، ويضاعف معاناة الأسر.
وفي السودان، حيث تتوزع الأسر بين الداخل ودول اللجوء، وتتعدد المبادرات والمنظمات التي تمتلك قوائم بأسماء المفقودين، فإن الأولوية تتمثل في جمع هذه المعلومات وتوحيدها وحمايتها.
ويقترح المقال خطوة عملية يمكن البدء بها دون انتظار اكتمال المؤسسات الحكومية أو انتهاء الحرب، تتمثل في إنشاء بريد إلكتروني موحد تستقبل عبره اللجان والمبادرات وأسر المختفين القوائم والبيانات الموجودة لديها.
بعد ذلك، تتولى جهة تنسيقية مستقلة مراجعة القوائم، ومقارنة الأسماء، وحذف التكرارات، واستكمال البيانات الناقصة، ثم منح كل حالة رقماً تعريفياً وطنياً موحداً وفق نظام SD المقترح.
ويمكن أن تكون هذه الخطوة بداية لتأسيس سجل وطني أكثر شمولاً، على أن تخضع عملية جمع البيانات ومراجعتها وحفظها لمعايير مهنية وقانونية واضحة، مع حماية خصوصية الأسر والمبلغين والشهود.
كما ينبغي أن تتضمن العملية آلية لتحديث البيانات بصورة مستمرة، وإضافة المعلومات الجديدة المتعلقة بالمختفين والجثامين المجهولة وحالات التعرف على الهوية.
إن توحيد القوائم لا يمثل بديلاً عن مسؤولية الدولة، ولا يغني عن إنشاء مؤسسة وطنية مستقلة للبحث عن المختفين، لكنه يمكن أن يشكل خطوة أولى لحفظ المعلومات ومنع ضياعها إلى حين قيام المؤسسات المختصة.
خاتمة الحلقة الثانية
إن قضية المختفين قسراً في السودان ليست ملفاً إنسانياً يمكن تأجيله إلى ما بعد انتهاء الحرب، وليست قضية سياسية يمكن تجاوزها عبر اتفاقيات السلام والتسويات. إنها قضية حقوقية وقانونية تتصل بالحق في الحياة والحرية والكرامة الإنسانية، وبحق الأسر في معرفة الحقيقة والبحث عن ذويها.
ومن بيوت الأشباح إلى حرب 15 أبريل، ظل آلاف السودانيين يواجهون السؤال ذاته: أين أبناؤنا؟ وما مصيرهم؟ ومن المسؤول عن اختفائهم؟
وتؤكد تجارب الأرجنتين وكولومبيا أن البحث عن المختفين يحتاج إلى إرادة مستمرة، ومؤسسات متخصصة، وقواعد بيانات موحدة، وأسر لا تتوقف عن المطالبة بالحقيقة، ومجتمع مدني وصحافة قادرين على إبقاء القضية حية في الذاكرة العامة.
إن إنشاء سجل وطني موحد للمختفين قسراً، وتأسيس آليات مستقلة للبحث والتعرف على الجثامين، والاستعانة بالأنثروبولوجيا الجنائية وتحليل الحمض النووي، وإشراك أسر الضحايا في عمليات التوثيق والمناصرة، كلها خطوات يمكن أن تضع السودان على طريق معالجة واحدة من أعقد مآسيه الإنسانية.
لكن الأهم أن تتحول هذه الخطوات إلى التزام قانوني ومؤسسي يضمن كشف الحقيقة ومحاسبة المسؤولين وجبر الضرر وعدم تكرار الجريمة.
إن الرقم الموحد قد يكون بداية الطريق، لكنه لا يمثل نهاية العدالة. فالعدالة الحقيقية تبدأ بالبحث، وتستكمل بكشف الحقيقة والمحاسبة، ولا تكتمل إلا بعودة الحقوق إلى أصحابها.
لن يكون هناك سلام مستدام في السودان ما لم نعرف أين ذهب المختفون، ومن أخذهم، ومن المسؤول عن مصيرهم.
المراجع والمصادر
أُبقيت المراجع التالية وفق القائمة الواردة في التقرير الأصلي، مع ضرورة الرجوع إلى النسخ الرسمية للتحقق من النصوص والأرقام والإحالات قبل النشر.
أولاً: الاتفاقيات والمرجعيات القانونية الدولية
الاتفاقية الدولية لحماية جميع الأشخاص من الاختفاء القسري، الأمم المتحدة، 2006، وخاصة المادة (2) المتعلقة بتعريف الاختفاء القسري، والمادة (24) المتعلقة بحقوق الضحايا.
نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية، 1998، المادة 7 (1) (ط)، بشأن الاختفاء القسري باعتباره جريمة ضد الإنسانية متى توافرت شروطها القانونية.
ثانياً: التشريعات والوثائق الوطنية السودانية
قانون الإجراءات الجنائية السوداني لسنة 1991، والتعديلات المشار إليها في التقرير، بما فيها القانون رقم 12 لسنة 2020.
الوثيقة الدستورية للفترة الانتقالية لسنة 2019 وتعديلاتها لعام 2020، وخاصة الأحكام المتعلقة بعدم سقوط جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية.
ثالثاً: التقارير والمراجع الميدانية السودانية
تقارير منظمة محامو الطوارئ (Emergency Lawyers) بشأن المفقودين والجثامين مجهولة الهوية في الخرطوم خلال الفترة 2023–2025.
قاعدة بيانات مبادرة Missing السودانية بشأن المفقودين منذ اندلاع حرب 15 أبريل 2023.
تقارير اللجنة الدولية للصليب الأحمر (ICRC) بشأن الجثامين مجهولة الهوية والمشارح والأوضاع الإنسانية في السودان.
رابعاً: اتفاقيات السلام
اتفاقية السلام الشامل بين حكومة السودان والحركة الشعبية لتحرير السودان، نيفاشا، 2005.
اتفاق جوبا لسلام السودان، 2020.
اتفاق السلام الكولومبي، هافانا، 2016، وخاصة البند الخامس المتعلق بالضحايا والبحث عن المختفين قسراً.
خامساً: التجارب الدولية
وحدة البحث عن الأشخاص المفقودين في كولومبيا (UBPD – Unidad de Búsqueda de Personas dadas por Desaparecidas).
المركز الوطني للذاكرة التاريخية في كولومبيا، التقارير المتعلقة بأعداد المفقودين.
نظام المعلومات الوطني للتعرف على الجثامين والمفقودين في كولومبيا (SIRDEC).
الفريق الأرجنتيني للأنثروبولوجيا الجنائية (EAAF)، تأسس عام 1984.
حركة جدات ساحة مايو الأرجنتينية (Abuelas de Plaza de Mayo)، وتجربتها في البحث عن الأطفال الذين اختفوا خلال الحكم العسكري.
اللجنة الدولية لشؤون المفقودين (ICMP)، المراجع والبروتوكولات العلمية المتعلقة بالتعرف على المفقودين واستخدام الحمض النووي.
سادساً: المراجع العلمية
Boss, Pauline (1999). Ambiguous Loss: Learning to Live with Unresolved Grief. Harvard University Press.
Schmitt, S. et al. (2005). Forensic Anthropology in Human Rights Investigations.
