كتب:حسين سعد
في رمال وسهول كردفان التي تمتد كبحر لا نهاية له، وتلوح القرى الصغيرة مثل نقاط ضوء نائية، حملت الأشهر الماضية وجعًا لا يشبه أي وجع آخر، في ولايتي شمال وغرب كردفان، وبين مدن وقرى بارا وأم سيّالة وأم صميمه، اندلعت مواجهات دامية أكلت الأخضر واليابس، وأغرقت أهل المنطقة في خوف لم يعرفوه بهذا الحجم من قبل. كانت النيران تقترب من البيوت، وكانت الاشتباكات تدور على مقربة من الحقول، ومع كل طلقة أو صرخة أو هروب جماعي… كان شخصٌ ما يختفي، لم تكن الحرب هناك مجرّد صراع على الأرض أو النفوذ، بل كانت لحظة انهيار شامل للأمان الاجتماعي الذي ميّز كردفان لعقود طويلة. فالناس في هذه المناطق يعرف بعضهم بعضًا؛ يشربون من نفس الآبار، ويتنقلون على الطرق ذاتها، ويربطهم جذرٌ اجتماعي لا ينقطع. لكن العنف الذي اندلع في بارا، وفي أم سيّالة، وفي أم صميمه، مزّق هذا النسيج، وجعل الكثيرين يهربون في فوضى عارمة لا تُشبه ما عرفته المنطقة من قبل، أثناء تلك الفوضى، انفصلت الأسر، وضاعت الأطفال من أحضان أمهاتهم، وفُقد الشباب بين القرى والطرق الجبلية، واختفى رجال لم يعودوا إلى بيوتهم حتى اللحظة. وبينما كانت النيران تُطفأ في مكان ما، كانت تُشعل في مكان آخر، ومع كل جولة عنف كان عدد المفقودين يتزايد، في بارا، خرج رجال للبحث عن ذويهم بعد اشتباكٍ مسلّح فلم يجدوا سوى بقايا ممتلكات محترقة، وفي أم سيّالة، فُقدت أسرة أحد ابنائها وهي تحاول الهرب إلى جهة أكثر أمنًا، وفي أم صميمه، انقطعت الاتصالات، فلم تعرف الأسر إن كان أبناؤها أحياء أم تحت التراب؟ المفقودون هنا وجوه من لحم ودم، هم طلاب، ورعاة، ومزارعون، وأمهات وأطفال، لكل واحد منهم قصة بدأت ذات يوم عادي، قبل أن تتحول فجأة إلى فصل غامض لا تعرف أسرهم كيف تكتبه أو كيف تنهيه. في كردفان، أصبح للغياب صوت، صوت يعلو فوق صرخات الرصاص: صوت أم تبحث عن ابنها في كل ركن من القرية، وصوت أبٍ يحمل صورة مهزوزة لابنه ويطرق أبواب القرى المجاورة، وصوت أطفال يسألون عن شخص لن يعود بسهولة، هذه المقدمة ليست سوى مرآة صغيرة لحجم المأساة. فالفقد هنا لا ينتهي، والبحث لا يتوقف، والقلوب لا تزال معلّقة بين احتمال النجاة واحتمال الرحيل الأبدي؟
مسارات الفقد… كيف اختفى الناس؟
خلال الهجمات وبسبب إطلاق النار العشوائي، لم تستطع الأسر الخروج معًا، اختفى أشخاص أثناء محاولتهم حماية ممتلكاتهم أو ماشيتهم، بعض المفقودين ربما أُصيبوا أو حُوصروا في أماكن لم تصلها فرق نجدة، عندما اندلعت المواجهات، فخرجت القرى بأكملها إلى العراء، وقتها انفصل الأطفال عن أسرهم،وضاع كبار السن الذين لا يستطيعون الجري أو التحرك بسرعة ، في الطرق الترابية البعيدة، بعض الهاربين لجأوا إليها، آخرون ضلّوا الطريق، مجموعات تعرضت للهجوم في الطرق النائية دون شهود.
وجع الأهالي… بين بكاء لا يتوقف وأمل لا يموت
في أم صميمه، أمّ لا تزال تبكي ابنها الذي فُقد وهو يحمل ماءً لجده أثناء تبادل إطلاق نار، تقول: لو كان مات… كنت دايرة أعرف بس… دايرة أزور قبره، وفي بارا، والد قضى أسابيع يتنقل بين القرى، يطرق الأبواب لعل أحدًا رأى ابنه الذي اختفى عندما حاول العودة لإحضار بعض الوثائق، أما الأطفال… حكايات غير مكتملة، في غرب كردفان، فقدت أسرة طفلة عمرها 7 سنوات وسط الزحام أثناء الهروب. لا تزال الأسرة تبحث عنها رغم مرور أشهر، بعض الأسر تخجل من الإعلان عن أن أفرادها مفقودون خوفًا من الشائعات أو الاتهامات، والانهيار النفسي، وتزداد حالات الأرق المزمن، وفقدان الشهية، والاكتئاب، والانهيارات العصبية، وفقدان القدرة على العمل، ويقول ناشط من كردفان فضل حجب أسمه حتى الآن لا توجد مؤسسة حكومية تتولى ملف المفقودين في كردفان، مع ضعف المستشفيات، وإستخدام بعضها كثكنات عسكرية ، وصمت الجهات المسؤولة، وأشار الي ان الأسَر تشكو من عدم تلقي أي رد رسمي، ويتم التعامل مع البلاغات ببطء شديد، وضياع الأوراق والملفات، وانتشار السلاح، ووجود جماعات مسلّحة متعددة الهوية والانتماء جعل الأمر أكثر تعقيدًا.
مفقودو الحرب:
في موقع العربي الجديد، بتاريخ 24 أبريل 2025 نشر تقرير بعنوان: “مفقودو حرب السودان… اختفاء آلاف اعتقلتهم الدعم السريع”، تناول تصاعد أزمة الاختفاء القسري والمفقودين خلال الحرب السودانية، من خلال شهادات أسر لا تزال تبحث عن أبنائها بعد تحرير الخرطوم من سيطرة قوات الدعم السريع.
واستعرض التقرير قصة عائشة عيسى التي عادت من مصر إلى الخرطوم فور إعلان استعادة العاصمة، بحثاً عن ابنها عبد الرؤوف جابر المعتقل منذ أكتوبر 2023. وتنقلت بين عدد من السجون ومراكز الاحتجاز السابقة، منها سجن سوبا ومعسكر طيبة وجبل أولياء، دون أن تعثر على أي معلومة مؤكدة عن مصيره. كما أورد شهادات أخرى، بينها شهادة سهير صلاح عثمان التي لا تزال تبحث عن شقيقها محمد المعتقل منذ نوفمبر 2024، بعد أن تنقل بين عدة مراكز احتجاز وفق إفادات معتقلين سابقين.
وأشار التقرير إلى أن صفحات ومبادرات البحث عن المفقودين، وعلى رأسها صفحة “مفقود”، تحولت إلى منصات تجمع آلاف البلاغات عن المختفين قسراً. ووفقاً للمجموعة السودانية للدفاع عن الحقوق والحريات، تم توثيق نحو 50 ألف حالة فقدان منذ اندلاع الحرب، مع ترجيحات بأن العدد الفعلي أكبر بسبب صعوبة التوثيق وانقطاع الاتصالات في مناطق النزاع.
كما عرض التقرير حالات أخرى لمفقودين مدنيين، بينهم لاعب كرة القدم أحمد عثمان محمد علي، وفني الطيران مصطفى شيخ الدين، ومعاذ عثمان إبراهيم، الذين اعتقلوا في ظروف مختلفة ولم يُعرف مصيرهم حتى بعد استعادة الجيش لمناطق واسعة من الخرطوم.
ونقل التقرير إفادات للحقوقي عثمان البصري، عضو المجموعة السودانية لضحايا الاختفاء القسري، الذي أكد أن شهادات ناجين من مراكز الاحتجاز تحدثت عن وفاة أعداد كبيرة من المعتقلين نتيجة التعذيب أو الأمراض والأوبئة، إضافة إلى وجود مقابر وعمليات دفن داخل مواقع احتجاز سابقة. واختتم التقرير بالتأكيد على استمرار معاناة آلاف الأسر السودانية التي ما زالت تنتظر معرفة مصير أبنائها المفقودين، وسط مطالبات بالكشف عن أماكن الاحتجاز والمقابر وإجراء تحقيقات مستقلة لضمان الحقيقة والعدالة
حياة كاملة تنتظر خبرًا واحدًا
في شمال وغرب كردفان، لا تزال الشمس تشرق كل صباح على بيوت فارغة، وأبواب مفتوحة لا يدخل منها أحد، وساحات تنتظر خطى أشخاص رحلوا دون وداع، تعيش الأسر في معركة نفسية لا تهدأ، هل نُبقي الأمل حيًا أم نستعد لخبر الفقد؟ هل ننتظر عودة من نحب، أم نبحث عن طريقة نتعلم بها الحياة من دونهم؟ الوجع هنا لا يشبه غيره، لأنه وجع بلا قبر، وبلا شاهد، وبلا نهاية واضحة ، المفقودون في كردفان قلوب توقفت في منتصف الطريق، وحكايات لم تكتمل، وأسر انهار عالمها فجأة، والعدالة، إذا جاءت يومًا، لن تكون عدالة حقيقية إلا حين يُكشف مصير كل إنسان اختفى، وحين تعرف كل أم أين يرقد ابنها، وحين تتوقف دموع الآباء الذين يأتون كل يوم حاملين صورًا باهتة لأبنائهم؟ ربما يعود بعضهم، وربما يبقى البعض الآخر في دائرة الغياب، لكن الأصوات التي تنادي بالبحث، بالكشف، بالحقيقة… يجب أن تظل عالية
فأوجاع كردفان لا ينبغي أن تُنسى، والمفقودون لا ينبغي أن يصبحوا مجرد ذكرى
إنهم حاضرون في كل دعاء، وفي كل دمعة، وفي كل خطوة تبحث عن أثرهم على الطرقات، وحتى يأتي ذلك اليوم – يوم الحقيقة سيبقى الناس يحملون الأمل في صدورهم، رغم ثقله، ورغم قسوته، لأن الأمل، رغم هشاشته، هو الشيء الوحيد الذي لم تستطع الحرب أن تسرقه (يتبع)