بقلم: مريم عبدالله
هي التى تعرف الأرض…و لكن لا تملكها
في صباحٍ ريفي هادئ، تحمل إمرأة سودانية “طورية” على كتفها، وتمضي نحو الحقل قبل أن تشرق الشمس. تعرف مواسم المطر، وتحفظ أسماء البذور، وتعرف متى تزرع السمسم ، الدخن ،الفول السوداني، القمح، الخضروات،و القطن ومتى تحصد الذرة. تقضي ساعات طويلة في الزراعة، ثم تعود لتجلب المياه والحطب، وتعد الطعام، وترعى الأطفال والماشية. ورغم أن الأرض تعرف خطواتها أكثر من أي شخص آخر، فإنها في كثير من الأحيان لا تحمل إسمها.
المقدمة:
هذا المشهد، الذي يتكرر يوميًا في آلاف القرى و المدن السودانية، يلخّص مفارقة عميقة: حين نتحدث عن الأرض في السودان، فإننا لا نتحدث فقط عن مورد إقتصادي أو أصل عقاري، بل عن الهوية والإنتماء والسلطة والإستقرار. فمنذ قرون ظلت الأرض محور الحياة السودانية؛ عليها تقوم الزراعة والرعي، ومنها تُستمد المكانة الإجتماعية، وبسببها إندلعت عشرات النزاعات المحلية والمسلحة.
وداخل هذه العلاقة المعقدة بين الإنسان والأرض، ظلت المرأة السودانية في موقع غير متكافئ. فهي تمثل العمود الفقري للإنتاج الزراعي في معظم مناطق البلاد، وتتحمل العبء الأكبر في إدارة الموارد الطبيعية وتأمين الغذاء والمياه والحطب للأسرة، إلا أن فرصها في إمتلاك الأرض أو تسجيلها بإسمها ما تزال محدودة للغاية. والمفارقة أن هذا التهميش لا يعود إلى غياب النصوص القانونية، بل إلى منظومة إجتماعية وثقافية متجذرة تنظر إلى الأرض بإعتبارها إرثاً ذكورياً وسلطة عائلية يحتكرها الرجال.
وقد تفاقمت هذه القضية بعد إندلاع الحرب في أبريل 2023، حين تعرض ملايين السودانيين للنزوح وفقدان الممتلكات، وأصبحت النساء -خاصة الأرامل والنازحات وربات الأسر- أكثر عرضة لفقدان حقوقهن في الأراضي بسبب غياب الوثائق، وضعف مؤسسات الدولة، وسيطرة الأعراف المحلية على عمليات إعادة توزيع الأراضي.
إن ضمان حق النساء في ملكية الأراضي ليس قضية جندرية معزولة، بل أحد أهم مفاتيح تحقيق الأمن الغذائي، والحد من الفقر، وتعزيز السلام الإجتماعي، وبناء مجتمعات أكثر قدرة على التعافي من النزاعات.
ماذا تقول الأرقام؟
تكشف البيانات الدولية والوطنية أن الفجوة بين النساء والرجال في ملكية الأراضي بالسودان ما تزال واسعة، رغم الدور المحوري الذي تؤديه النساء في الإنتاج الزراعي:
تشير التقديرات إلى أن النساء يمثلن ما بين 70% و80% من القوة العاملة في الزراعة المطرية التقليدية والإنتاج الأسري، في حين لا تمتلك سوى نسبة ضئيلة منهن أراضيَ مسجلة باسمهن رسمياً.
تقدّر منظمة العمل العربية مساهمة المرأة السودانية في العمل الزراعي بنحو 82%، كما تشكّل النساء الرعويات نحو 20% من إجمالي النساء في البلاد، ما يجعل المرأة فاعلاً رئيسياً في الإقتصاد الريفي.
في دارفور وحدها، فقد نحو 81% من النازحين داخلياً إمكانية الوصول إلى أراضيهم الزراعية بسبب النزاع، وفق تقارير الأمم المتحدة، فيما تواجه النساء أوضاعاً أكثر هشاشة لأن نظم الحيازة العرفية غالباً لا تعترف بحقوقهن المستقلة في الأرض.
تفيد المبادرة العربية للأراضي التابعة للأمم المتحدة بأن نحو 90% من الأراضي غير المسجلة في السودان تُعد ملكًا للدولة بموجب القوانين القائمة، بينما تعتمد غالبية المجتمعات الريفية على نظم حيازة عرفية غير موثقة، وهو ما يزيد من هشاشة حقوق النساء.
تؤكد قاعدة بيانات منظمة الأغذية والزراعة (FAO) الخاصة بحقوق المرأة في الأرض وجود فجوة واضحة بين الحقوق القانونية النظرية للسودانيات والقدرة الفعلية على إمتلاك الأراضي أو تسجيلها أو الدفاع عنها أمام القضاء.
هذه الأرقام لا تكشف فقط عن حجم اللامساواة، بل عن مفارقة جوهرية: المرأة هي الأكثر عملاً في الأرض، لكنها ليست الأكثر امتلاكاً لها.
هل يمنح القانون المرأة حق التملك؟
من الناحية النصية، لا يوجد في التشريعات السودانية ما يحرم المرأة من إمتلاك الأراضي أو تسجيلها بإسمها؛ بل إن القوانين السودانية، المستندة في جوانب عديدة إلى أحكام الشريعة الإسلامية، تعترف بحقها في التملك والإرث والبيع والشراء والتصرف المستقل في ممتلكاتها.
غير أن جوهر المشكلة يكمن في التداخل بين القوانين الرسمية ونظم الحيازة العرفية التي تحكم معظم الأراضي الريفية فعلياً.
قانون الأراضي غير المسجلة لسنة 1970: يُعد هذا القانون من أكثر التشريعات تأثيراً في تاريخ ملكية الأراضي بالسودان، إذ إعتبر جميع الأراضي غير المسجلة ملكاً للدولة، حتى وإن كانت المجتمعات المحلية تستخدمها منذ قرون وفق أعراف متوارثة. وقد أضعف هذا التوجه القانوني الإعتراف الرسمي بالحيازات العرفية، التي تعتمد عليها النساء بشكل كبير للوصول إلى الأرض.
قانون المعاملات المدنية لسنة 1984: ينظم هذا القانون حقوق الملكية والتصرف في الأموال والعقارات، ويعترف بحق النساء في التملك والتصرف القانوني المستقل، إلا أن العمل بهذه الحقوق غالباً ما يصطدم بالممارسات الاجتماعية والعرفية السائدة، خاصة في الريف.
قوانين الإرث المستندة إلى الشريعة الإسلامية: تكفل الشريعة الإسلامية حق المرأة في الإرث، بما يشمل الأراضي الزراعية والعقارات، لكن الواقع العملي يكشف أن كثيراً من النساء يتنازلن عن حصصهن لصالح الإخوة أو الأقارب الذكور تحت ضغط الأعراف الإجتماعية أو خشية النزاعات الأسرية، وهو ما يفرغ هذا الحق من مضمونه الفعلي.
الحيازة العرفية: في مناطق واسعة من السودان، خاصة دارفور وكردفان والنيل الأزرق وشرق البلاد، ما تزال إدارة الأراضي تتم وفق الأعراف القبلية والإدارات الأهلية. ورغم أن هذه النظم أسهمت تاريخياً في تنظيم إستخدام الموارد الطبيعية، فإنها غالباً ما تمنح الرجال الأولوية في تخصيص الأراضي، بينما لا تحصل النساء إلا على حق الإنتفاع عبر الزوج أو الأب أو أحد الأقارب الذكور، لا بإعتبارهن مالكات مستقلات.
وبذلك، فإن جوهر الإشكالية في السودان ليس غياب حق المرأة في نص القانون، بل ضعف تحويل هذا الحق إلى واقع عملي يحميها، خاصة في الأرياف ومناطق النزاع.
حين تكون الأعراف أقوى من القانون…
رغم أن التشريعات الإسلامية لا تحرم المرأة من امتلاك الأرض، يحكم الواقعَ في كثير من المجتمعات الريفية منظومةٌ من الأعراف تجعل وصول النساء إلى الأرض أكثر تعقيدًا. فالأرض في الثقافة السودانية ليست مجرد أصل اقتصادي، بل ترتبط بالسلطة والنسب والهوية والانتماء القبلي، ولذلك ظل انتقالها عبر الخط الذكوري وسيلةً للحفاظ على ممتلكات الأسرة أو القبيلة.
في العديد من المناطق الزراعية والرعوية، تُمنح المرأة حق الإنتفاع بالأرض عبر الأب أو الزوج أو أحد أفراد الأسرة، لكنها نادرًا ما تحظى بحق الملكية المستقلة أو سلطة اتخاذ القرار بشأنها. وحتى حين ترث نصيبها الشرعي، تواجه ضغوطاً إجتماعية تدفعها إلى التنازل عنه لإخوتها الذكور، حفاظاً على “صلة الرحم” أو تجنباً للنزاعات الأسرية.
ويسود في بعض المجتمعات إعتقاد بأن تسجيل الأرض بإسم المرأة قد يؤدي إلى إنتقالها لأسرة زوجها في حال الزواج، وهو ما يدفع الأسر إلى تفضيل تسجيلها بأسماء الرجال؛ كما تتردد بعض النساء أنفسهن في المطالبة بحقوقهن خشية الوصمة الإجتماعية أو فقدان الدعم الأسري.
ولا تقتصر هذه التحديات على الريف، بل تمتد إلى المدن أيضاً، حيث كثيراً ما تُسجَّل الممتلكات بإسم الزوج أو الأب رغم مساهمة المرأة في شرائها أو بنائها، فتصبح مساهمتها الإقتصادية غير معترف بها قانونياً عند الطلاق أو الوفاة أو النزاعات الأسرية.
هذه الموروثات لا تستند بالضرورة إلى أحكام القانون أو الشريعة، بل هي نتاج تراكمات إجتماعية وثقافية امتدت لعقود، وأصبحت اليوم من أهم أسباب الفجوة بين الحقوق القانونية والحقوق الفعلية للمرأة.
أثر حرب أبريل 2023:
خسارة مضاعفة…
أدت الحرب التي إندلعت في 15 أبريل 2023 إلى واحدة من أكبر أزمات النزوح في العالم، حيث نزح أكثر من 12 مليون شخص داخل السودان وخارجه، وفق بيانات الأمم المتحدة. ولم تقتصر الخسائر على المنازل والممتلكات، بل امتدت إلى حقوق الملكية ذاتها، وكانت النساء الأكثر تضرراً.
فقد أضطرت آلاف الأسر لمغادرة منازلها دون وثائق ملكية أو عقود رسمية، بينما تعرضت مكاتب الأراضي والسجلات في عدد من المدن للتدمير أو التوقف عن العمل. ومع غياب الوثائق وتعطل المؤسسات، أصبحت عملية إثبات الملكية أكثر صعوبة، خاصة للنساء اللواتي تعتمد حقوقهن غالباً على وثائق يحتفظ بها الأزواج أو الآباء.
في المناطق الزراعية، توقفت آلاف النساء عن زراعة أراضيهن بسبب إنعدام الأمن، وإنتشرت ظاهرة الاستيلاء على الأراضي واستغلالها في غياب أصحابها، فيما فقد كثيرات مصدر دخلهن الوحيد بعد إحتراق المزارع أو تدمير أنظمة الري أو نفوق الماشية.
وفي دارفور، عادت النزاعات حول الأراضي الزراعية ومسارات الرعي إلى الواجهة مع موجات النزوح الجديدة، وأصبحت النساء الأرامل والنازحات الأكثر هشاشة، إذ وجدن أنفسهن مسؤولات عن إعالة أسرهن دون أرض أو مصدر دخل ثابت. أما في الخرطوم، فقد خلّفت الحرب آلاف المنازل المهجورة- بعضها تعرض للنهب أو الإحتلال- فيما فقدت نساء كثيرات المساحات التي كنّ يعتمدن عليها في الزراعة المنزلية أو تربية الدواجن.
ولم تقتصر الآثار على الجانب الإقتصادي، بل إمتدت إلى البيئة؛ فالاعتماد المتزايد على الحطب والفحم النباتي بسبب انقطاع الكهرباء والوقود أدى إلى قطع أعداد كبيرة من الأشجار، وهو ما زاد من تدهور البيئة ورفع العبء على النساء، اللواتي يضطررن لقطع مسافات أطول لجمع الحطب أو المياه.
قصص من الواقع….
لا تحتاج قضية ملكية النساء للأراضي في السودان إلى كثير من التنظير؛ فالواقع نفسه يقدّم مئات النماذج التي تعكس حجم التحديات.
في ولايات دارفور، تعتمد آلاف النساء على الزراعة المطرية كمصدر رئيسي للعيش، وبعد موجات النزوح المتكررة وجدت كثيرات أنفسهن خارج أراضيهن التقليدية دون أي وثائق تثبت حقهن فيها، بينما أصبحت العودة إليها محفوفة بالمخاطر الأمنية. وفي ولاية الجزيرة، شاركت النساء لعقود في زراعة الأراضي ضمن المشاريع الزراعية الكبرى، إلا أن أسماءهن نادرًا ما ظهرت في سجلات الحيازات الزراعية، رغم مساهمتهن اليومية في الإنتاج.
أما في شمال كردفان وشرق السودان، فما تزال النساء يتحملن مسؤولية جمع المياه والحطب ورعاية الماشية -وهي أعمال ترتبط مباشرة بالأرض والموارد الطبيعية- دون أن يملكن سلطة اتخاذ القرار بشأن هذه الموارد.
وخلال الحرب، برزت قصص لنساء فقدن أزواجهن وأصبحن مسؤولات عن إعالة أسر كاملة، ليواجهن صعوبات في إثبات حقهن في الأرض أو المنزل بسبب غياب الوثائق أو رفض بعض الأقارب الإعتراف بحقوقهن.
تكشف هذه النماذج حقيقة جوهرية: إمتلاك الأرض ليس مجرد وثيقة قانونية، بل حماية إجتماعية وإقتصادية، خاصة للنساء في أوقات الأزمات والنزاعات.
التوصيات:
تعزيز حقوق النساء في ملكية الأراضي يتطلب إصلاحات متكاملة على المستويات القانونية ، المؤسسية والمجتمعية، أبرزها:
- مراجعة سياسات الأراضي بما يضمن الإعتراف الصريح بحقوق النساء في الملكية والحيازة.
- تبسيط إجراءات تسجيل الأراضي وخفض تكلفتها، خاصة بالنسبة للنساء في المناطق الريفية.
- توثيق الحيازات العرفية بطريقة تراعي حقوق النساء وتحميها قانونياً.
- تنفيذ حملات توعية مجتمعية لتصحيح المفاهيم الثقافية التي تحرم النساء من حقوقهن في الأرض.
- تعزيزالمساعدة القانونية للنساء، خاصة الأرامل والنازحات والمتأثرات بالحرب.
- إدماج قضايا ملكية الأراضي ضمن برامج التعافي المبكر وإعادة الإعمار بعد الحرب.
- دعم المبادرات التي تربط بين حقوق النساء في الأراضي والعدالة البيئية والتكيف مع تغير المناخ والتنمية الاقتصادية.
- إشراك النساء فعلياً في لجان إدارة الأراضي والإدارات الأهلية وصنع القرار المحلي.
الخاتمة:
في السودان، لا تزال الأرض مفتاحاً للعيش الكريم والإستقرار والإنتاج والسلام. لكن هذا المفتاح ظل بعيدًا عن أيدي كثير من النساء، ليس لأن القانون يمنعهن، بل لأن الأعراف والممارسات الإجتماعية والحروب جعلت الوصول إليه أكثر صعوبة.
لقد أثبتت المرأة السودانية، عبر عقود طويلة، أنها ليست مجرد مستفيدة من الأرض، بل منتِجة وحامية للموارد الطبيعية، وشريك أساسي في تحقيق الأمن الغذائي وبناء المجتمعات. ومع ذلك، ما تزال مساهمتها هذه بلا إعتراف كافٍ بحقوقها في الملكية وإدارة الموارد. وفي مرحلة التعافي التي يمر بها السودان، ينبغي ألا تقتصر إعادة الإعمار على بناء المنازل والطرق، بل أن تشمل أيضاً إعادة بناء منظومة العدالة في الوصول إلى الأرض. فتمكين النساء من إمتلاك الأراضي ليس امتيازاً إضافياً، بل إستثمار في مستقبل أكثر عدالة واستقراراً، وخطوة أساسية نحو سلام مستدام وتنمية شاملة، تضمن أن تكون المرأة شريكاً كاملاً في إعادة بناء السودان
