العاقب جابك الله

يعتبر من ضمانات العيش الكريم توفير المأوى اللائق بكرامة الانسان، لذلك نجد المواثيق الدولية الاساسية الاعلان العالمي لحقوق الانسان الصادر في العام 1948 في المادة 1/25 حيث اكدت ان لكل شخص الحق في مستوى معيشة يكفي لضمان الصحة والرفاه له ولاسرته خاصة على صعيد المأكل والملبس والمسكن والعناية الطبية وصعيد الخدمات الاجتماعية الضرورية كما سوف يتم توضيحه وكذلك العهد الدولي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافيو الصادرة في العام 1966 في المادة 1/11 التي اخذت نفس المضمون الحقوقي الوارد في الاعلان، حيث ربطت الحياة الكريمة بمستوى معيشي يقوم على توفر المأوى والغذاء والكساء، حيث ينظر الى هذه النصوص في القانون الدولي باعتبارها مرجعية لتأسيس الحق في السكن من الناحية الايجابية اي انها اكدت حق الانسان الفرد او الاسرة في الحصول على سكن او ماوي كشرط للحياة بكرامة في حالات السلم مع ضرورة موائمة التشريعات في الدول الاطراف مع هذه النصوص المادة 2 العهد الدولي للحقوق الاجتماعية والاقتصادية والثقافية رغم ذلك اكدت التجربة ان هناك امكانية للتعدي على حق السكن ونزع ملكيته وحرمان الانسان منه كحق اصيل مكفول له وتهجيره عنه قسرا خاصة في ظل الحروب والصراعات والتوترات.

وقد عالج هذا الموضوع اتفاقية جنيف الرابعة سنة 1949 المعنية بحماية المدنيين اثناء النزاعات المسلحة في المادة 49 التي منعت التهجير القسري في شكل النقل الجبري الفردي والجماعي للمدنيين وكذلك في نصوص البروتوكول الاضافي الثاني الملحق باتفاقات جنيف لسنة 1977 في المواد 14 ة17 ونظام روما الاساسي لعام 1998 المواد 7 و8 واهمية هذه القواعد القانونية تتمثل في انها صارت مرجعية حقوقية اخذت بها لكثير من الدساتير والتشريعات في مجموعة من الدول مثل دستور جنوب افريقيا الصادر عام 1996 ابان حكم الفصل العنصري في وثيقة الحقوق الفصل الثاني منه ودستور اسبانيا الصادر عام 1978 الفصل 47 وعلى نهج الدساتير سارت التشريعات الوطنية في معظم دول العالم في تنظيم الحق في السكن في السودان نجد قانون تسوية الاراضي غير المسجلة لعام 1970 وقانون المعاملات المدنية لعام 1984 وخصصن مؤسسات للوفاء بالحق في السكن بصفته واحد من التزامات السودان وفقا لقواعد ومبائ حقوق الانسان وجرم القانون الجنائي السوداني لعام 1991 بتعديلاته حتى العام 2020 الحرمان من الحق في السكن متمثل في جريمة النقل الجبري الفردي والجماعي للمدنيين والتهجير القسري ووضعه ضمن الجرائم الانسانية وجرائم الحرب.

بناء على ما تقدم يمكن تقسيم مراحل تطور الحق في السكن في القانون الدولي والتشريعات الوطنية من خلال القواعد القانونية المرجعية وطبيعة الالتزام واطرافه وضماناته وطرق حماية هذا عندما يتم انتهاكه من اي طرف في ظروف السلم والحروب.

اولا: تطور الحق في السكن في القانون الدولي

رغم قدم الحق في السكن ووجود تشريعات وطنية منظمة له مثل قانون تسوية الاراضي وتسجيلها لعام 1925 السوداني الا ان القواعد القانونية ذات الطابع الدولي لم تنص عليه كحق منفصل واساسي من حقوق الانسان الضرورية لصون الكرامة المتاصلة في الانسان وذات الاهمية البالغة للحياة والعيش الكريم والامن والاستقرار الا في منتصف القرن العشرين خاصة صدور الاعلان العالمي لحقوق الانسان 1948 في المادة 25 حيث ربطت بين الحق في السكن والمستوى المعيشي الكافي للاشخاص واسرهم بالتاكيد على.

أ‌.       حق كل شخص في مستوى معيشة يكفي لضمات الصحة والرفاه له ولاسرته.

ب‌.    بصفة خاصة الحق في المأكل والملبس والمسكن وكذبك ضمن الحق في السكن وفي وثيقة دولية اخرى وهي العهد الدولي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية لعام 1966 بعد ان اكد في ديباجته على اهمية ومرجعية الاعلان العالمي لحقوق الانسان العليا، الضرورية حتى يكون اعضاء الاسرة البشرية احرار ومتحررين من الظلم والفاقة، ان تصان حقوقهم وجعل الحق في السكن من ضمن هذه الحقوق التي يجب ان تصان بالتأكيد عليه المادة 11 الفقرة الاولى، حيث جعل إقرار الدول الاطراف في هذا العهد بحق كل شخص في مستوى معيشي كاف له ولاسرته، ويشمل الحق توفير ما يفي بحاجته في الغذاء والكساء والمأوى له ولاسرته، تعهد الدول الاطراف باتخاذ التدابير اللازمة لانفاذ هذا الحق من خلال ما تضمنته هاتين الوثيقتين الدوليتين المرجعيتين من على الحق في السنكن نلاحظ.

  1. ان الاعلان العالمي لحقوق الانسان اكد اهمية الحق في السكن لكل انسان وضرورته للمستوى المعيشي المناسب للحياة بكرامة لكل شخص ولاسرته.
  2. لا يوجد التزام او تعهد من الدول للوفاء بالحق في السكن وهذا يعود لطبيعة الالتزام باعتباره وثيقة غير ملزمة في ذاتها لكنها اكتسبت صفة الالزام لانها اصبحت تمثل قواعد عرفية في القانون الدولي.
  3. في العهد الجولي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية نجد ان الدول الاطراف تقر بالحق في السكن
  4. تتعهد الدول الاطراف باتخاذ التدابير اللازمة لانقاذ الحق في السكن او الماوى كما ورد لفظه كالتزام
  5. ربطه بالحق في الماكل او الغذاء والملبس
  6. طبيعة الحق في السكن في انه من حقوق الانسان الضرورية لصون الكرامة المتاصلة للاشخاص واسرهم
  7. اطراف الحق اهم لاشخاص واسرهم الطرف اول، الدولة الطرف الثاني ومن خلال هذه الملاحظات نجد انه ما بين عام 1948 وعام 1966 تحول الحق في السكن من خق غير ملزم الى حق ملزم للدول الاطراف في العهد الدولي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، حيث اقرت القيمة المرجعية للاعلام العالمي لحقوق الانسان واقرت بما ورد بما ورد فيه حقوق من ضمنها الحق في السكن حيث اقرته وجعلته من درجة الحق في الماكل والملبس لكل شخص ولاسرته كما تعهدت باتخاذ التدابير اللازمة لانقاذه وهي تدابير تشريعية ومؤسسية كما سوف نوضح لاحقا في الواقع السوداني من القوانين والمؤسسات للتنظيم والوفاء كإلتزام دولي للدولة.

ثانيا:  الحق في السكن في الدساتير الوطنية

تكمن القيمة القانونية المرجعية للإعلان العالمي للحقوق وغيره من مواثيق حقوق الانسان في السلم والحرب من اتفاقات جنيف 1949 الى ميثاق روما الاساسي لعام 1998 في معظم دساتير الدول الصادرة بعد العام 1948 كما سوف نوضح في الفقرة التالية ادناه.

اخذت بمرجعيات حقوق الانسان الواردة في المواثيق الدولية لحقوق الانسان منها على سبيل المثال

  1. دستور جنوب افريقيا الصادر عام 1996 إبان فترة حكم الفصل العنصري 14 و21 و25 على التوالي حيث ضمنت الحق في السكن وتنظيمه وحمايته على النحو التالي

أ‌.       حق كل انسان في السكن والاقامة في اي مكان في جمهورية جنوب افريقيا

ب‌.    لا يتعرض اي شخص للتفتيش ولا يفتش منزله

ت‌.    لا يسن تشريع يحرم اي انسان من ملكيته بما فيها السكن تعسفيا ولا تنزع ملكيته الا للمصلحة العاكة وان يتم النزع بعد تعويض بالتراضي او بالمحكمة وان يكون التعويض عادل ومنصف في وقته.

  • دستور اسبانيا الصادر عام 1978 قد نص على ضمان الحق في السكن في الفصل 47 بالتاكيد عليه وضرورة الوفاء به من جانب الدولة بالاتي

أ‌.       يحق لجميع الاسبات ان يتمتعوا بالسكن اللائق والمناسب

ب‌.    تعمل السلطات العمومية على تحسين الظروف الملائمة ووضع القواعد اللازمة حتى يمارس هذا الحق

ت‌.    تحدد السلطات العامة كيفية استغلال الاراضي وتمنع المضاربة فيها.

من خلال المثالين الدستوريين نلاحظ الاتي

  • ان الحق في السكن مقر به الدستور من الدولة
  • في جنوب افريقيا حق طبيعي يتمتع به الانسان وعلى الدولة حمايته في اي مكان في جمهورية جنوب افريقيا
  • في اسبانيا يتطلب الحق تدخل الدولة من خلال السلطات العامة لتحسين الظروف الملائمة ووضع القواعد اللازمة وتحديد كيفية استغلال الاراضي لممارسة الحق في السكن.
  • رغم دستورية الحق في النموذجين الا ان القواعد القانونية المنظمة له تختلف حيث يعتبر اقرب للحقوق الفردية في جنوب افريقيا بينما هو من الحقوق الاجتماعية في اسبانيا وهذا لطبيعة الدولة وملابسات صناعة الدستور فيها

ثالثا: الحق في السكن في القانون السوداني

في السودان اهم ثلاثة قوانين تنظم الحق في السكن وهي

  1. قانون تسوية الاراضي وتسجيلها السوداني لعام 1925 وهو اقدم قانون ساري حتى الان واهم ما جاء فيه من نقاط متعلقة بالحق في السكن وفقا لمعايير الدولة الحديثة في السودان.

أ‌.       حدد كيف تحول وضع الارض السكنية من حيازة الى شهادة بحث وتقييدها في السجلات

ب‌.    حدد كيف تحول وضع الارض السكنية من حيازة الى شهادة بحث وتقييدها في السجلات

ت‌.    حدد الجهة المسؤولة عن التسجيل وهي مكتب التسجيلات التابع للسلطة القضائية

ث‌.    حدد الاشخاص المعنيين بتسويات الاراضي وهم ضباط التسويات الذين تم تعينهم المحاكم

  • قانون الاراضي غير المسجلة لعام 1970 الملغي وهو اهم قانون صدر بعد خروج المستعمر في ظل الدولة الوطنية في السودان ورغم الغائه انتقلت معظم احكامه للقانون الذي مكانه ومختلف القانون الذي سبقه وابرز ما يميزه عنه

أ‌.       انه يسري بشأن الاراضي التي لم تسجل وفقا لقانون عام 1925 فقط

ب‌.    وفقا لهذا القانون كل الاراضي غير المسجلة قبله اصبحت ملك لحكومة السودان وبالتالي تملك منفعتها فقط

ت‌.    سهل امكانية نزع ملكية الاراضي السكني من قبل الدولة وبالتالي اثر على الحق في السكن سلبا مقارنه بقانون 1925 الذي وضع قيود اقوى من خلال معيار ملكيته العين او ما يعرف بالملك الحر الذي يجعل الارض يعينها مملوكة للمالك.

  • قانون المعاملات المدنية لعام 1984 وهو القانون الاخير الاكثر اهمية لتنظيم الحق في السكن في السودان حيث اخذ بما ورد في قانون 1970 واضاف اليه وابرز ما فيه بشأن حق السكن

أ‌.       اخذ بملكية الاراضي السكنية ملكيته منفعة فقط

ب‌.    اقر الحق في السكن لكل سوداني في الارض دون حاجة سواء كانت ملكية مسجلة ام غير مسجلة

ت‌.    سهل امكانية نزع ملكية الاراضي السكنية من قبل الدولة خاصة اذا لم يتم البناء عليها بعد منحها دون تعويض حتى لو قام المالك بدفع رسوم واموال مقابل ذلك للدولة لا يستطيع استردادها

من خلال ما ورد نلاحظ الآتي

  • الحق في السكن منظم بالقانون في السودان
  • تنظيم هذا الحق بدأ في ظل حكم الاستعمار
  • القانون الصادر في ظل حكم الاستعمار اصبح حماية للحق في السكن افضل من الصادر في ظل الحكومات الوطنية
  • مع عدم وجود دستور دائم يمثل مرجعية دستورية للحق لكن توجد قوانين ومؤسسات عامة تنظم كيفية التمتع بالحق في السكن وهي مكاتب تسجيلات الاراضي ومصلحة الاراضي ومكاتب المساحة المنتشرة في كل ولايات السودان.

رابعا: انتهاك الحق في السكن وآثاره

هناك ثلاثة انواع من الانتهاكات التي تقع على الحق في السكن في حالة السلم والحرب وكلها لها آثار قانونية في القوانين الدولية والقانون السوداني، حيث توجب إتخاذ اجراءات المحاكمات على مرتكبها في المحاكم الدولية والسودانية وهذه الانتهاكات هي بالترتيب.

أ‌.        التهجير القسري.

ب‌.    النقل الجبري الفردي والجماعي

ت‌.    التعدي الجنائي والمدني

سوف نوضح كل انتهاك منفصل وآثاره المترتبة في القانون الدولي والسوداني

اولا: التهجير القسري

يعتبر التهجير القسري جريمة في التشريعات الوطنية والقانون الدولي الانساني والقانون الجنائي الدولي في حالة السلم تقع جريمة التهجير القسري عندما يتم ترحيل الافراد او المجموعات السكانية من المدنيين من اماكن سكنها باستخدام وسائل العنف او التهديد به او تدمير المساكن او قطع مصادر المياه من قبل الدولة او اي مجموعة فاعلة وقادر على ارتكاب الانتهاك بهدف الوصول الى اجبار المستهدفين لهجر تلك المنظمة اما في حالة الحرب جريمة التهجير القسري تقع على الاشخاص المدنيين المشمولين بالحماية القانونية الدولية وفقا لاتفاقية جنيف الرابعة لعام 1914 المعنية بحماية المدنيين اثناء النزاعات المسلحة غير الدولة مثل الوقع القائم في السودان الان، والبروتوكول الملحق الاول بها للعام 1977 المادة 17 وكذلك نظام روما الاساسي لعام 1998 في المادى 7 الفقرة 2 د وضعت جريمة التهجير القسري اثناء الحرب جريمة ضد الانسانية رتب عليها عقوبة تبلغ الاعدام في حدها الاقصى من ذلك يلاحظ الآتي

أ‌.       انتهاك الحق في السكن اصبح جريمة دولية

ب‌.    يوجد تقارب بين القانون الدولي الانساني والجنائي مع القانون الجنائي السوداني

ثانيا: النقل الجبري الفردي والجماعي

وهو ان يتم نقل فرد او جماعة اطفال هذه الجماعة من منطقة سكنهم واقامتهم على خلاف رغبتهم دون سبب ومبرر مقبول، وهذا يعتبر جريمة وفقا لنظام روما الاساسي المادة  والقانون الجنائي السوداني المادة 187 التي يعاقب بالسجن المؤبد.

ثالثا: التعدي

وهو دخول الى السكن وانتهاك حق الانسان المالك في السكن، هو ممنوع وفقا لدستور جنوب افريقيا الصادر عام 1996 الفصل لثاني منه المادة 14 والقانون الجنائي السوداني المادة 183 حيث رتبت عقوبة تصل الى السجن 6 اشهر والغرامة على هذا الانتهاك.

من خلال كل ما ذكر نخلص الى ان انتهاك الحق في السكن مجرم في القوانين الدولية والدساتير الوطنية والقانون الداخلي في السودان بكل يعتبر في احد صورة من ابشع الجرائم والانتهاكات التي عرفتها الانسانية وهي التهجير القسري والنقل الفردي والجماعي للمدنيين.

خاتمة الحق في السكن من حقوق الانسان الاساسية والضرورية للحياة الكريمة، الامن والاستقرار بالنسبة للاشخاص واسرهم، وقد اكدت على ذلك مواثيق حقوق الانسان الاساسية منها الاعلان العالمي لحقوق الانسان الصادر عام 1948 والعهد الدولي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية الصادر عام 1966 واخذت منها وسارت على نهجها الدساتير الوطنية مثل دستور اسبانيا الصادر عام 1978 ودستور جنوب افريقيا الصادر عام 1996 ابان فترة حكم الفصل العنصري والتشريعات الوطنية كذلك اصبغت عليه الحماية في السودان من قانون 1925 لتسوية الاراضي وتسجيلها الى قانون المعاملات المدنية لعام 1984.

كل هذه النصوص القانونية كان هدفها التمتع بالحق في السكن والوفاء به من جانب الدول كإلتزام قانوني اما في حالة تعرض حق السكن للانتهاك الدولي او داخل الدول نجد هناك شبه اتفاق وتطابق بين القوانين الدولية الاساسية والدساتير الوطنية والقانون الجنائي السوداني، حيث نجد النقل الجبري الفردي والجماعي للمدنيين والتهجير القسري كاعمال مجرمة كجرائم ضد الانسانية وجرائم حرب وفقا للقانون الدولي الانساني والقانون الجنائي السوداني وعليه يمكن القول بالاتي

أ‌.       الحق في السكن مضمن في المواثيق الدولية والدساتير الوطنية والقانون الداخلي السوداني

ب‌.    يوجد اعتراف واقرار الدول بالحق في السكن

ت‌.    انتهاك الحق في السكن جريمة في القانون الدولي والسوداني

وبذا يكون الحق في السكن ذا قيمة محورية للحياة والعيش الكريم والامن والاستقرار